التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٢ - النضر بنالحارث
منه، فأبى اللّه إلّا أن يسمعني بعض قوله فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: واثكل امي، واللّه إنّي لرجل لبيب شاعر مايخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل مايقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته.
قال: فتبعته إلى بيته، وحدّثته الحديث، وقلت له: فأعرض عليّ أمرك! قال:
فعرض صلى الله عليه و آله عليّ الإسلام وتلا عليّ القرآن. «فلا واللّه ماسمعت قولًا قطّ أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه» فأسلمت وشهدت شهادة الحقّ ... فرجع إلى قومه وكان داعية الإسلام، وأسلمت معه قبيلة دوس.[١]
هذه شهادة شاعر لبيب له مكانته عند العرب وله معرفته وذوقه وسليقته، جذبته روعة كلام اللّه وقلبته من كافر وثنيّ مشرك إلى داعية من دعاة الإسلام!
النضر بنالحارث
كان أبوجهل قد أزمع على أن ينال من محمد صلى الله عليه و آله فأخذ حجرا وجلس ينتظر قدومه صلى الله عليه و آله حتّى إذا جاء وقام للصلاة بين الركن اليماني والحجر الأسود جاعلًا الكعبة بينه وبين الشام. فلمّا سجد احتمل أبوجهل الحجر وأقبل نحوه، حتّى إذا دنى منه رجع منهزما منتقعا لونه[٢] مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتّى قذف الحجر من يده. فقامت إليه رجال من قريش وقالوا له: مالك يا أباالحكم، قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة- وكان قد عاهد اللّه ليفضخنّ رأسه بحجر ما أطاق حمله-[٣] فلمّا دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا واللّه ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته[٤] ولا أنيابه لفحل قط، فهمّ بي أن يبتلعني!
فلمّا قال لهم ذلك أبوجهل، قام النضر بنالحارث بنكلدة بنعلقمة بنعبدمناف وكان
[١] - سيرة ابنهشام، ج ٢، ص ٢١- ٢٥؛ واسد الغابة، ج ٣، ص ٥٤.
[٢] - انتقاع اللون: تغيّره.
[٣] - الفضخ: الشدخ والكسر.
[٤] - القصرة- بفتحتين- أصل العنق.