التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٠ - ١٢ - حادث طريف عاصرناه؟
١٢- حادث طريف عاصرناه؟
ذكر الشيخ طنطاوي عند تفسيره لقوله تعالى: «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ فتقول هَلْ مِنْ مَزِيدٍ»[١] حادثا عجيبا ينبؤك عن مدى بلاغة هذه الآية بالغا حدّ الإعجاز، قال:
في يوم ١٣ يونيو سنة ١٩٣٢ م قابلني الأديب المصري الأُستاذ كامل گيلاني فحدّثني حديثا عجيبا كان أشار إليه بمدّةٍ قُبيل تقديم هذه السورة إلى الطبع، وهذا الحديث راجع إلى البلاغة التي ظهرت في الآية، فهاك حديثه:
قال: كنت مع الأُستاذ «فنگل» وهو من أفاضل المستشرقين الأمريكيّين، وكانت بيني وبينه صلات أدبيّة وثيقة، وكان يأخذ برأيي في ذكر المشاكل التي تقابله في الأدب، لما يعتقده فيّ من الصراحة. ففي يوم همس في أُذني متهيّبا، فقال: خبّرني عن رأيك بصراحتك المعروفة، أممّن يعتقدون إعجاز القرآن أنت، أم لعلّك تجاري جمهور المسلمين الذين يتلقّنون ذلك كابرا عن كابر؟! وابتسم ابتسامة كلّ معانيها لاتخفى على أحد، وهو يحسب أنّه قد ألقى سهما لاسبيل إلى دفعه! فابتسمت له كما ابتسم لي وقلت:
لكي نحكم على بلاغة أُسلوب بعينه يجب أن نحاول أن نكتب مثله أو نقلّده، فلنحاول ليظهر لنا أنحن قادرون أم عاجزون عن محاكاته وتقليده! فلنجرّب أن نعبّر عن سعة جهنّم، فماذا نحن قائلون؟ فأمسك بالقلم وأمسكتُ به، فكتبنا نحو عشرين جملة، متخيّرة الأُسلوب نعبّرها عن هذا المعنى، أذكر منها:
١- إنّ جهنّم واسعة جدّا.
٢- إنّ جهنّم لأوسع ممّا تظنّون.
٣- إنّ سعة جهنّم لايتصوّرها عقل إنسان.
٤- إنّ جهنّم لتسع الدنيا كلّها.
٥- إنّ الجنّ والإنس إذا دخلوا جهنّم لتسعهم ولاتضيق بهم.
٦- كلّ وصف في سعة جهنّم لايصل إلى تقريب شيء من حقيقتها.
[١] - ق ٣٠: ٥٠.