التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٧ - مقالة ابنحزم الظاهري
القرآن لأنّه في أعلى درج البلاغة لكان بمنزلة كلام الحسن وسهل بنهارون والجاحظ وشعر امرئ القيس، ومعاذ اللّه من هذا، لأنّ كلّ ما يسبق في طبقته لم يؤمن أن يأتي من يماثله ضرورة.
وأخيرا قال: فلابدّ لهم من هذا الخطة، أو من المصير إلى قولنا: إنّ اللّه تعالى منع من معارضته فقط- إلى أن يقول- فصحّ أنّه ليس من نوع بلاغة الناس أصلًا، وأنّ اللّه تعالى منع الخلق من مثله، وكساه الإعجاز، وسلبه جميع كلام الخلق ...
قال: وأيضا فإنّ في القرآن كثيرا من حكاية أقوال الآخرين.[١] فكان هذا كلّه إذ قاله غير اللّه عزّوجلّ غير معجز بلاخلاف، لكن لمّا قاله اللّه تعالى وجعله كلاما له أصاره معجزا ومنع من مماثلته. قال: وهذا برهان كاف لايحتاج إلى غيره، والحمد للّه.[٢]
وقال- أيضا-: إنّ كلّ كلمة قائمة المعنى يعلم إذا تليت أنّها من القرآن، فإنّها معجزة لايقدر أحد على المجيء بمثلها أبدا، لأنّ اللّه تعالى حال بين الناس وبين ذلك، كمن قال:
إنّ آية النبوّة أنّ اللّه تعالى يطلقني على المشي في هذه الطريق الواضحة، ثمّ لايمشي فيها أحد غيري أبدا، أو مدّة يسمّيها. فهذا أعظم مايكون من الآيات ... والذي عجز عنه أهل الأرض مذ أربعمائة عام وأربعين عاما (٤٤٠) هي سنة تأليفه للكتاب.[٣]
*** وقد سخر الرافعي من كلام ابنحزم هذا، قائلًا: لم نر أحدا فسّر هذه الكلمة (الصرفة) كابن حزم الظاهري، وذلك قوله: «لم يقل أحد أنّ كلام غير اللّه معجز، لكن لمّا قاله اللّه تعالى وجعله كلاما له، أصاره معجزا ومنع من مماثلته ... قال: وهذا برهان كاف لايحتاج إلى غيره» نقول: بل هو فوق الكفاية، وأكثر من أن يكون كافيا أيضا لأنّه لمّا قاله ابنحزم وجعله رأيا له، أصاره كافيا لايحتاج إلى غيره ...![٤]
[١] - كقوله تعالى:« فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ» المدّثّر ٢٤: ٧٤- ٢٥. وقوله:« وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً»- إلى آخر الآيات- الإسراء ٩٠: ١٧.
[٢] - الفصل في الملل والنحل، ج ٣، ص ١٧- ١٩.
[٣] - المصدر، ص ٢١.
[٤] - إعجاز القرآن للرافعي، ص ١٤٦.