التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٨ - ١ - مسيلمة الكذاب
١- مسيلمة الكذّاب
فمن أُولئك مسيلمة بن حبيب، تنبّأ باليمامة في بني حنيفة على عهد رسولاللّه صلى الله عليه و آله بعد أن وفد عليه وأسلم في ظاهر أمره، كان يصانع كلّ إنسان ويتألّفه، ولايبالي أن يطّلع أحد منه على قبيح، إذ كان اتخذ النبوّة مدعاة إلى الملك، حتى عرض على رسولاللّه صلى الله عليه و آله أن يشركه في الأمر. كان وفد بني حنيفة- في سنة تسع من الهجرة- قدم على رسولاللّه صلى الله عليه و آله وفيهم مسيلمة وقد ستروه بالثيات، ورسولاللّه صلى الله عليه و آله جالس بين أصحابه معه عسيب من سعف النخل، في رأسه خوصات. فلمّا انتهى إلى رسولاللّه صلى الله عليه و آله وهم يسترونه بالثيات، كلّمه وسأله، فقال له الرسول صلى الله عليه و آله: لوسألتني هذا العسيب ما أعطيتكه. وكان قد سأله تشريكه في أمر الرسالة.
ثمّ انصرفوا، فلمّا انتهوا إلى اليمامة ارتدّ عدوّ اللّه، وتنبّأ وتكذّب لهم، وقال: إنّي اشركت في الأمر مع محمد صلى الله عليه و آله ثمّ جعل يسجع لهم الأساجيع، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن:
«لقد أَنْعمَ اللّه على الحُبْلى أَخرجَ منها نَسَمَةً تسعى، من بين صِفاقٍ[١] وَحشى» ثمّ أحلّ لهم الخمر ووضع عنهم الصلاة، وهو مع ذلك يشهد لرسولاللّه صلى الله عليه و آله بأنّه نبيّ، لكنّه شريكه، فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك.[٢]
وكتب إلى رسولاللّه صلى الله عليه و آله في اخريات سنة عشر: «من مسيلمة رسولاللّه إلى محمد رسولاللّه، سلام عليك، أمّا بعد، فإنّي قد اشركت في الأمر معك وأنّ لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون».
وأرسله مع رجلين من قومه، فقدما إلى رسولاللّه صلى الله عليه و آله وقدّما إليه الكتاب. فلمّا قرأه قال لهما: فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال. فقال النبي صلى الله عليه و آله: «أما واللّه، لولا أنَّ الرُسُل لاتُقْتَلُ، لضربت أعناقكما». ثمّ كتب إلى مسيلمة: «بسم اللّه الرحمان الرحيم من محمد
[١] - الصفاق: الجلد الأسفل دون الجلد الأعلى الذي يسلخ.
[٢] - سيرة ابن هشام، ج ٤، ص ٢٢٣.