التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٩ - كلام ابن سنان الخفاجي
بشأن إعجاز القرآن، فلم يرتض مذهبه بأنّ الإعجاز قائم بفصاحته وبلاغته وتلاؤم نظمه، ورجّح كونه من جهة صرف العرب عن معارضته بأن سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكّنون من المعارضة وقت مرامهم ذلك. وبذلك قد وافق رأي الشريف المرتضى حسبما يأتي.
قال- تعليقا على كلام الرمّاني-:[١]
وأمّا قوله: «إن القرآن من المتلائم في الطبقة العليا وغيره في الطبقة السفلى»- وهو يعني بذلك جميع كلام العرب- فليس الأمر على ذلك، ولافرق بين القرآن وبين فصيح الكلام المختار في هذه القضيّة. ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار، وجد في كلام العرب ما يضاهي القرآن في تأليفه. ولعلّ أبا الحسن (الرمّاني) يتخيّل أنّ الإعجاز في القرآن لايتمّ إلّا بمثل هذه الدعوى الفاسدة، والأمر- بحمد اللّه- أظهر من أن يعضّده بمثل هذا القول الذي ينفر عنه كلّ من شدا من الأدب شيئا[٢] أو عرف من نقد الكلام طرفا.
قال: وإذا عدنا إلى التحقيق وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته، بأن سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكّنون من المعارضة في وقت مرامهم ذلك، وإذا كان الأمر على هذا فنحن بمعزل عن ادّعاء ماذهب إليه (أي الرمّاني) من أنّ بين تأليف حروف القرآن وبين غيره من كلام العرب كما بين المتنافر والمتلائم. ثمّ لو ذهبنا إلى أنّ وجه إعجاز القرآن الفصاحة، وادّعينا أنّه أفصح من جميع كلام العرب، بدرجة ما بين المعجز والممكن، لم يفتقر في ذلك إلى ادّعاء ما قاله من مخالفة تأليف حروفه لتأليف الحروف
[١] - راجع كلامه في رسالته النكت في إعجاز القرآن، ص ٧٥.
[٢] - يقال: شدا من العلم شيئا أي أخذ منه.