التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٥ - مذهب الشريف المرتضى
تعالى على صدق رسوله محمّد صلى الله عليه و آله بالقرآن، لأنّ ظهوره معلوم ضرورة، وتحدّيه العرب والعجم معلوم أيضا ضرورة، وارتفاع معارضته أيضا بقريب من الضرورة، فإنّ ذلك التعذّر معلوم بأدنى نظر، لأنّه لولا التعذّر لعورض، فإمّا أن يكون القرآن من فعله تعالى على سبيل التصديق له، فيكون هو العَلَم المعجز، أو يكون تعالى صرف القوم عن معارضته، فيكون الصرف هو العَلَم الدالّ على النبوّة، وقد بيّنا في كتاب «الصرف» الصحيح من ذلك وبسطناه».[١]
وقد أوضح السيّد من مذهبه في مختلف كتبه ورسائله، التي تعرّض فيها لمسألة الإعجاز، منها ماجاء في كتابه «الذخيرة» في علم الكلام، قال فيه:
الذي نذهب إليه أنّ اللّه تعالى صرف العرب عن أن يأتوا من الكلام بما يساوي أو يضاهي القرآن في فصاحته وطريقته (أي سبكه في البيان) ونظمه، بأن سَلَب- كلَّ من رام المعارضة- العلوم التي يتأتّى ذلك بها، فإنّ العلوم التي بها يمكن ذلك ضروريّة من فعله تعالى فينا بمجرى العادة.
وهذه الجملة إنّما تنكشف بأن يدلّ على أنّ التحدّي وقع بالفصاحة بالطريقة في النظم. وأنّهم لوعارضوه بشعر منظوم لم يكونوا فاعلين ما دعوا إليه. وأن يدلّ على اختصاص القرآن بطريقةٍ في النظم مخالفة لنظوم كلّ كلامهم، وعلى أنّ القوم لو لم يُصرفوا لعارضوا.
والذي يدلّ على الأوّل أنّه صلى الله عليه و آله أطلق التحدّي وأرسله، فيجب أن يكون إنّما أطلق تعويلًا على عادة القوم في تحدّي بعضهم بعضا، فإنّها جرت باعتبار الفصاحة وطريقة النظم. ولهذا ما كان يتحدّى الخطيبُ الشاعرَ، ولا الشاعرُ الخطيبَ، وأنّهم ما كانوا يرتضون في معارضة الشعر بمثله إلّا بالمساواة في عروضه وقافيته وحركة قافيته. ولو شكّ القوم في مراده بالتحدّي لاستفهموه، وما رأيناهم فعلوا، لأنّهم فهموا أنّه صلى الله عليه و آله جرى فيه على عاداتهم.
[١] - جمل العلم والعمل للسيد المرتضى ط نجف ١٣٨٧، ص ٤١ وطبعت مع المجموعة الثالثة من رسائله راجع: ص ١٩.