التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١ - ٣ - رأي عبدالقاهر الجرجاني
الوادي عليهم عجزا، وأخذ منافذ القول عليهم أخذا؟
.. أيلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن سؤاله، ونردّه عن ضلاله، وأن نطبّ لدائه، ونزيل الفساد عن رائه؟[١] فإن كان ذلك يلزمنا، فينبغي لكلّ ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه (يريد نفس كتاب دلائل الإعجاز) ويستقصي التأمّل لما أودعناه ...[٢]
وكرّ في الكتاب قائلًا: وإنّه كما يفضل النظم النظم، والتأليف التأليف، والنسج النسج، والصياغة الصياغة، ثمّ يعظم الفضل، وتكثر المزيّة، حتى يفوق الشيء نظيره، والمجانس له درجات كثيرة، وحتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد، كذلك يفضل بعض الكلام بعضا، ويتقدّم منه الشيء الشيء، ثمّ يزداد من فضله ذلك، ويترقّى منزلة فوق منزلة، ويعلو مرقبا بعد مرقب ويستأنف له غاية بعد غاية، حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع، وتحسر الظنون، وتسقط القوى وتستوي الأقدام في العجز ...[٣]
ثمّ قال: واعلم أنّه لاسبيل إلى أن تعرف صحّة هذه الجملة حتى يبلغ القول غايته، وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك، وتصويره في نفسك، وتقريره عندك، إلّا أنّ هاهنا نكتة، إن أنت تأمّلتها تأمّل المتثبّت، ونظرت فيها نظر المتأنّي، رجوت أن يحسن ظنّك، وأن تنشط للإصغاء إلى ما أورده عليك وهي: إنّا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا: لولا أنّهم حين سمعوا القرآن، وحين تحدّوا إلى معارضته، سمعوا كلاما لم يسمعوا قطّ مثله، وأنّهم قد رازوا أنفسهم[٤] فأحسّوا بالعجز على أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه، أو يقع قريبا منه، لكان محالًا أن يدّعوا معارضته وقد تحدّوا إليه، وقرعوا فيه، وطولبوا به، وأن يتعرّضوا لشبا الأسنّة[٥] ويقتحموا موارد الموت ...
فقيل لنا: قد سمعنا ما قلتم، فخبّرونا عنهم، عمّا ذا عجزوا، أعَن معان من دقّة معانيه وحسنها وصحّتها في العقول؟ أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ .. فإن قلتم: عن الألفاظ، فماذا
[١] - الراء: الرأي.
[٢] - في مقدّمة دلائل الإعجاز، ص ف- ص.
[٣] - دلائل الإعجاز، ص ٢٥- ٢٦.
[٤] - يقال: راز الحجر: أي وزنه ليعرف ثقله. وراز الرجل: جرّب ما عنده ليختبره.
[٥] - الشبا: جمع شبوة، وهي إبرة العقرب، وحدّ كلّ شيء.