التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٠ - كلام ابن سنان الخفاجي
الواقعة في الفصيح من كلام العرب، وذلك أنّه لم يكن بنفس هذا التأليف فقط فصيحا، وإنّما الفصاحة لأُمور عدّة تقع في الكلام، من جملتها التلاؤم في الحروف وغيره، وقد بيّنا بعضها وسنذكر الباقي، فلم ينكر على هذا أن يكون تأليف الحروف في القرآن وفصيح كلام العرب واحدا؟ ويكون القرآن في الطبقة العليا، لما ضامّ تأليف حروفه من شروط الفصاحة التي التأليف جزء يسير منها.
فقد بان أنّ على كلا القولين لاحاجة بنا إلى ادّعاء ما ادّعاه، مع وضوح بطلانه وعدم الشبهة فيه.
ثمّ يقال له: أليس التلاؤم معتبرا في تأليف حروف الكلمة المفردة، على ماذكرناه فيما تقدّم فلابدّ من نعم، فيقال له: فما عندك في تأليف كلّ لفظة من ألفاظ القرآن بانفراده؟ أهو متلائم في الطبقة العليا أم في الطبقة السفلى؟ فإن قال: في الطبقة العليا، قيل له:
أو ليس هذه اللفظة قد تكلّمت بها العرب قبل القرآن وبعده؟ ولولا ذلك لم يكن القرآن عربيّا، ولا كانت العرب فهمته. فقد أقررت الآن أنّ في كلام العرب ما هو متلائم في الطبقة العليا، وهو الألفاظ المفردة، ولم يتوجّه عليك في ذلك ما يفسد وجه إعجاز القرآن. فهلّا قلت في كلامهم المؤلّف من الألفاظ ما هو أيضا كذلك؟ فإنّ علم الناظر بأحدهما كالعلم بالآخر.
وإن قال: إنّ كلّ لفظة من ألفاظ القرآن متلائمة في الطبقة الوسطى، قيل له أوّلًا: إنّ مشاركة القرآن لطبقة ألفاظهم على هذا الوجه أيضا باقية، ثمّ ما الفرق بينك وبين من ادّعى أنّ التلاؤم من ألفاظ القرآن في الطبقة الوسطى، فإنّ أحد الموضعين كالآخر. على أنّ اللفظة المفردة يظهر فيها التلاؤم ظهورا بيّنا بقلّة عدد حروفها واعتبار المخارج وإن كانت متباعدة كان تأليفها متلائما، وإن تقاربت كانت متنافرا، ويلتمس ذلك بما يذهب إليه من اعتبار التوسّط دون البعد الشديد والقرب المفرط. فعلى القولين معا اعتبار التلاؤم مفهوم، وليس ينازعنا في كلمة من كلم القرآن إذا أوضحنا له تأليفها، ويقول ليس هذا في الطبقة العليا، إلّا ونقول مثله في تأليف الألفاظ بعضها مع بعض، لأنّ الدليل على الموضعين واحد.