التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٧ - ٩ - كلام القطب الراوندي
فإن قيل: النبيّ صلى الله عليه و آله مبعوث إلى العرب والعجم، فإذا كان إعجاز القرآن من حيث الفصاحة، فإنّ العجم لايمكنهم ذلك.
قلنا: الفصاحة ليست بمقصورة على لغة دون اخرى. على أنّه يمكنهم أن يعرفوا ذلك على سبيل الجملة، إذا علموا أنّه تحدّى فصحاء العرب فأعجزهم، وفي ذلك كفاية.
*** وأمّا القائلون بأنّ إعجازه بالفصاحة والنظم معا، قالوا: إنّا رأينا النبي صلى الله عليه و آله أرسل التحدّي إرسالًا وأطلقه إطلاقا، والمتفاهم من الإطلاق هو التحدّي بهما معا، لأنّ العادة عند العرب جارية في التحدّي باعتبار طريقة النظم مع الفصاحة، كما في تحدّي شعراء العرب وخطبائهم في الشعر والخطابة، ليس في الفصاحة فقط وإنّما هي مع نظمه العروضي واسلوبه الإيقاعي أيضا. هذا هو المتبادر إلى الذهن حينذاك من التحدّي.
على أنّ التحدّي لو كان بمجرّد الفصاحة لوقعت المعارضة ببعض فصيح شعرهم أو بليغ كلامهم، إذ قد يخفى الفرق بين قصار السور وفصيح كلام العرب. فكان يجب أن يعارضوه، فإذ لم يفعلوا، فلأنّهم فهموا من التحدّي مجموع الفصاحة وطريقة النظم معا، إذ لم يجتمعا لهم، واختصاص القرآن بنظم يخالف سائر ضروب الكلام المعروفة عند العرب.
وقد قال المرتضى: إنّ التحدّي وقع بالإتيان بمثله في فصاحته وطريقته في النظم، ولم يكن بأحد الأمرين، فلو وقعت المعارضة بشعر منظوم أو برجز منظوم أو بمنثور من الكلام ليس له طريقة القرآن في النظم، لم تكن واقعة موقعها، والصرفة على هذا إنّما كانت بأن يسلب اللّه كلّ من رام المعارضة، للعلوم التي يتأتّى معها مثل فصاحة القرآن وطريقته في النظم. ولهذا لايصاب في كلام العرب مايقارب القرآن في فصاحته ونظمه.
وأمّا القائلون بأنّ إعجاز القرآن بالنظم المخصوص، قالوا: وجدنا الكلام منظوما ومنثورا والمنظوم هو الشعر، وأكثر الناس لايقدرون عليه، فجعل اللّه معجز نبيّه النمط الذي يقدر عليه كلّ أحد ولا يتعذّر نوعه في كلّهم، وهو الذي ليس بمنظوم، فيلزم حجّته الجميع.