التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٦ - ٤ - الأسود العنسي
و لمّا توافته جيوش المسلمين، تلفّف في كساء له بفناء بيت له من شعر، يتنبّأ لهم والناس يقتتلون، وكان عيينهبن حصن في سبعمائة من بني فزارة، يقاتل دونه. فلمّا هزّت عيينة، الحربُ وضرس القتال، كرّ على طليحة، فقال: هل جاءك جبرئيل بعد؟ قال: لا، فرجع فقاتل حتى إذا اشتدّت الحرب ثانية، جاءه فقال له: لاأبا لك، أجاءك جبرئيل بعد؟
قال: لاواللّه، فجعل يقول عيينة: حتى متى؟ قد واللّه بلغ منّا. ثمّ رجع فقاتل، وكرّ عليه ثالثا وسأله هل جاءه جبرئيل، وفي هذه المرّة قال: نعم! قال: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: «إنّ لك رحى كرحاه، وحديثا لاتنساه».
فقال عيينة: أظنّ أن قد علم اللّه أنّه سيكون حديث لاتنساه، يابني فزارة، هكذا فانصرفوا فهذا واللّه كذّاب! فانصرفوا وانهزم الناس، فغشوا طليحة يقولون: ماذا تأمرنا- وقد كان أعدّ فرسه عنده، وهيّأ بعيرا لامرأته النوّار- فلمّا أن غشوه يقولون ماذا تأمرنا، قام فوثب على فرسه وحمل امرأته ثمّ نجا بها، وقال: من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل. ثمّ سلك الحوشيّة حتى لحق بالشام، وارفضّ جمعه.[١]
٤- الأسود العنسي
هو مسعودبن كعب من بني مذحج، ويقال له: عبهلة. وكان يلقّب ذا الخمار، إذ كان يقول: يأتيني ذوخمار. وكان فصيحا معروفا بالكهانة والسجع عالما بالنسب. وقد تنبّأعلى عهد النبي صلى الله عليه و آله وخرج باليمن وأتبعته قبائل من مذحج واليمن واستفحل أمره.
وكان يدّعي أنّ ملكين يأتيانه يسمّى أحدهما «سحيقا» والآخر «شريفا» وكان إذا ذهب مذهب التنبّؤ أكبّ ثمّ رفع رأسه ويقول: قال لي: كيت كيت. وكان له خدع كثيرة يزخرف بها. قتل قبل وفاة النبيّ صلى الله عليه و آله بيوم. قتله فيروز وقيس وداذويه من أبناء الفرس الذين أسلموا باليمن، قتلوه في تواطئ خطير:
وذلك عن طريق امرأة يقال لها: مرزبانة، كان قد اغتصبها، لأنّها كانت من أجمل
[١] - تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٤٨٥- ٤٨٦، حوادث سنة ١١.