التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٩ - ٦ - الشيخ محمد عبده واستدلاله على الإعجاز القرآني * * *
بواسطتها يحمّلون الملوك سلطانهم حتّى دانت لهم المعمورة من أقصاها إلى أقصاها ...!
أيّ حجّة أكبر من هذه الحجّة على أنّ القرآن روح إلهيّ وأمر سماويّ، وأيّ وجه من وجوه الإعجاز بعد مشاهدة هذا الأثر الفخم أوقع في النفس وأنفى للشك وأولى بالقبول من وجه روحانيّته؟
إنّ للقرآن فوق البلاغة والعذوبة والحكمة والبيان، روحانية يدركها من لاحظّ له في فهم الكلام وتقدير الحكمة وإدراك البلاغة، حتّى الطفل والعاميّ يعتريهما تهيّب عند تلاوته، ويكادان يفرّقان بين ما هو قرآن وماليس بقرآن، فيما لو أراد التالي أن يغشّهما.
وهذا يظهر جليّا عندما تكون آية من آياته جاءت على سبيل الاستشهاد والاقتباس، فإنّها تتجلّى لك من بين السطور وخلال التراكيب كالشمس في رائعة النهار ...
قال: هذا رأيُنا في جهة إعجاز القرآن، وهو فيما نعلم يحلّ مشاكل هذا البحث، ويمكن الاستدلال عليه بالحسّ والواقع، أمّا ما أولع به الناس من أنّه لبلاغته وتجاوزه حدود الإمكان، فلم نقف له على أثر في ذات القرآن، ولم يأت ذكره في آياته ممّا جاء وصف القرآن فيها، وليس فيها مايشير إلى جهة بلاغته اللفظية، التي هي من الصنعات الثانية التي لايصحّ أن يمتدح بها اللّه في كتابه ...[١]
*** [٦- الشيخ محمد عبده واستدلاله على الإعجاز القرآني***]
٦- وللشيخ محمد عبده رأي لم يتعدّ فيه رأي القدماء، وهو أشبه بالاستدلال العقلي الكلامي على نمط دلائل المتكلّمين، قال في رسالة التوحيد: جاء الخبر المتواتر أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله نشأ امّيّا، كما تواترت أخبار الأُمم على أنّه جاء بكتاب قال أنّه أنزله اللّه عليه.
كتاب حوى من أخبار الأُمم الماضية مافيه معتبر للأجيال الحاضرة والمستقبلة. نقّب على الصحيح منها وغادر الأباطيل التي لحقته الأوهام بها ... وشرّع للنّاس أحكاما تنطبق على مصالحهم ... وقام بها العدل وانتظم بها شمل الجماعة ... ففاقت بذلك جميع الشرائع الوضعيّة ... وجاء بحكم ومواعظ وآداب تخشع لها القلوب وتهشّ لاستقبالها العقول.
[١] - دائرة معارف القرن العشرين، ج ٧، ص ٦٧٧- ٦٨٠، مادّة قرأ.