التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٤ - العاص بن وائل
وفضّة وثياب وخدم! فأنظرني إلى يوم القيامة، حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقّك، فواللّه لاتكن أنت وصاحبك يا خبّاب آثر عند اللّه منّي، ولا أعظم حظّا في ذلك.
فنزلت:
«أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَ قالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَ وَلَداً. أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً. كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا. وَ نَرِثُهُ ما يَقُولُ وَ يَأْتِينا فَرْداً. وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا. أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا. فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا».[١]
إنّها قرعات عنيفة وصواعق مرعدة، تدمرّ من بقايا أشلاء مبعثرة، خلّفتها أجساد كافرة، لاتطيق تحمّلها ولاتستطيع المقاومة تجاه هجماتها العنيفة، إلّا الهزيمة والاندحار «فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً».[٢]
إنّها لم تخصّ العاص بن وائل- إن صحّ الحديث- ولاغيره من عتاة قريش فحسب وإنّما هدفت وهبّت لتذرّ كلّ دعائم الكفر والإلحاد على مرّ الزمان.
*** والعاصي هذا هو الذي عاب النبي صلى الله عليه و آله وشمت به حينما مات ابنه عبداللّه، وشنأه بالبتر وانقطاع النسل، فيخبوا أثره فيما حسب. لكنّه تعالى قرّر- رغم أنف الشامتين- أنّه ليس أبتر بل هو صاحب الكوثر، والكوثر صيغة من الكثرة. وهو مطلق غير محدود. يشير إلى عكس المعنى الذي أطلقه هؤلاء السفهاء. إنّا أعطيناك ما هو كثير فائض غزير، غير ممنوع ولامبتور. إنّه الكوثر، الذي لانهاية لفيضه، ولاإحصاء لعوارفه، ولاحدّ لمدلوله.
ومن ثمّ تركه النصّ بلاتحديد، يشمل كلّ ما يكثر من الخير والبركة ويزيد.
«إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ». وهنا يردّ الكيد على كائديه، ويؤكّد- سبحانه- أنّ الأبتر ليس هو محمدا، إنّما هو شانئوه وكارهوه.
[١] - مريم ٧٧: ١٩- ٨٤.
[٢] - طه ١٠٥: ٢٠.