التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣ - التحدي بفضيلة الكلام
الإتيان بمثله، فليرجع إلى أُدباء عصره، وليسألهم: هل يقدر أحد منهم على أن يأتي بمثله؟ فإن قالوا: نعم، لونشاء لقلنا مثل هذا، فليقل لهم: هاتوا برهانكم. وإن قالوا: لا طاقة لنا به. فليقل لهم: أيّ شيء أكبر شهادة على الإعجاز من الشهادة على العجز؟ ثمّ ليرجع إلى التأريخ فليسأله ما بال القرون الاولى؟ ينبّئك التأريخ أنّ أحدا لم يرفع رأسه أمام القرآن الكريم، وأنّ بضعة النفر الذين أنغضوا رؤوسهم إليه، باؤوا بالخزي والهوان، وسحب الدهر على آثارهم ذيل النسيان.[١]
التحدّي بفضيلة الكلام
قد يقول قائل: إنّ صناعة البيان ليست في النّاس بدرجة واحدة، وهي تختلف حسب اختلاف القرائح والمُعطَيات، ولكلّ إنسان مواهبه ومعطياته. وكلّ متكلّم أو كاتب إنّما يضع في بيانه قطعة من عقله ومواهبه، ومن ثمّ يختلف الناس في طرق التعبير والأداء، ولا يمكن أن يتشابه اثنان في منطقهما وفي تعبيرهما، اللهمّ إلّا إذا كان عن تقليد باهت.
إذن فكيف جاز تحدّي الناس لو يأتوا بحديث في مثل القرآن، وهم عاجزون أن يأتوا بمثل كلام بعضهم؟!
لكن غير خفيّ أنّ لشرف الكلام وضعته مقاييس، بها يعرف ارتفاع شأن الكلام وانحطاطه وقد فصّلها علماء البيان، وبها تتفاوت درجات الكلام ويقع بها التفاضل بين أنحائه من رفيع أو وضيع، نعم وإن كانت القرائح والمعطيات هي المادّة الأُولى لهذا التفاوت، ولا نماري أن يكون كلام كّل متكلّم هي وليدة فطرته وحصيلة مواهبه ومعطياته بحيث لا يمكن مشاركة أيّ أحد فيما تمليه عليه ذهنيّته الخاصّة، لكن ذلك لايوهن حجّتنا في التحدّي بالقرآن، لأنّا لا نطالبهم أن يأتوا بمثل صورته الكلاميّة، كلّا، وإنّما نطلب كلاما- أيّا كان نمطه واسلوبه- بحيث إذا قيس مع القرآن، بمقياس الفضيلة البيانيّة، حاذاه أو قاربه، على شاكلة مايقاس كلمات البلغاء بعضهم مع بعض، وهذا هو القدر الذي
[١] - النبأ العظيم، ص ٧٥.