التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٠ - الأسود بنعبد يغوث
الحلقوم، المنهوم الذي لايشبع.
والجَعْظريّ: الفظّ الغليظ. الأكول على غير شبع. القصير المتنفّخ بما ليس عنده. الشره النهم، الضخم الإست إذا مشى حرّكها. القليل العقل الخرف.
والصفات الثلاث، تفسير للعتلّ الحاوي لذمائم الصفات وكريهات السمات!
ثمّ يعقّب على هذه الصفات الذاتيّة، بموقفه الشانئ من آيات اللّه، مع التشنيع بهذا الموقف الذي يقابل به نعم اللّه عليه بالمال والبنين، شأن كلّ مختال فخور:
«أَنْ كانَ ذا مالٍ وَ بَنِينَ، إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» ...
وما أقبح بالرجل يقابل نعمة اللّه عليه بالاستهزاء بآياته وسخريّة من رسوله واعتداء على شريعته. وهذه وحدها تعدل كلّ ما مرّ من وصف ذميم!
ومن ثمّ يجيء التهديد من الجبّار القهّار، يلمس في نفسه موضع الاختيال والفخر بالمال والبنين، كما لمس وصفه من قبل موضع الاختيال بمكانته ونسبه ... ويسمع وعد اللّه القاطع:
«سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ»!
ومن معاني الخرطوم طرف أنف الخنزير البرّي. ولعلّه المقصود هنا كناية عن أنفه.
والأنف في لغة العرب يكنّى به عن العزّة، ومنه الأَنَفَة: الترفّع والتنزّه.
والتهديد بوسمه على الخرطوم، يحوي على نوعين من الإذلال والتحقير: الأوّل الوسم، كما يوسم العبيد. والثاني جعل أنفه خرطوما كخرطوم الخنزير!
وما من شكّ أنّ وقع هذه الآيات على نفس الأسود بن عبد يغوث أو الأخنس بنشريق[١] أو الوليد بنالمغيرة أو غيرهم من أعداء الإسلام آنذاك المناوئين له، كان قاصما وقامعا دامغا. فإنّهم من أُمّة كانت تعدّ هجاء شاعر- ولو بالباطل- مذمّة يتوقّاها الكريم! فكيف بدمغه بالحق من خالق السماوات والأرض، بهذا الأُسلوب الّذي لايبارى، وفي هذا السجلّ الذي يتجاوب بكلّ لفظ من ألفاظه جنبات الوجود، ثُمّ يستقرّ في كيان
[١] - المصدر.