التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩ - ٢ - اختيار ابنعطية
يشبه اختيار أبيسليمان البُستي، ولعلّه اختزال منه، ذكره في مقدّمة تفسيره (المحرّر) ونقله الإمام بدرالدين الزركشي، مع تصرّف واختصار.
قال ابنعطيّة: إنّ الذي عليه الجمهور والحذّاق، وهو الصحيح في نفسه، أنّ التحدّي إنّما وقع بنظمه، وصحّة معانيه، وتوالي فصاحة ألفاظه. ووجه إعجازه أنّ اللّه قد أحاط بكلّ شيء علما، وأحاط بالكلام كلّه علما، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم- بإحاطته- أيّ لفظة تصلح أن تلي الأُولى، ويتبيّن المعنى دون المعنى، ثمّ كذلك من أوّل القرآن إلى آخره.
والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورةً أنّ بشرا لم يكن قطّ محيطا، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا النظر يبطل قول من قال: إنّ العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله، فلمّا جاءهم محمّد صلى الله عليه و آله صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه! والصحيح أنّ الإتيان بمثل القرآن لم يكن قطّ في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر، في أنّ الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثمّ لايزال ينقّحها حولًا كاملًا، ثمّ تعطى لآخر نظيره فيأخذها بقريحة خاصة فيبدّل فيها وينقّح، ثمّ لاتزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل. وكتاب اللّه سبحانه لو نزعت منه لفظة، ثمّ ادير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد، ونحن تتبيّن لنا البراعة في أكثره، ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق، وجودة القريحة، وميز الكلام.
قال: وقامت الحجّة على العالم بالعرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة وفطنة المعارضة كما قامت الحجّة في معجزة عيسى بالأطبّاء، وفي معجزة موسى بالسحرة، فإنّ اللّه تعالى إنّما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع مايكون في زمن النبيّ الذي أراد إظهاره، فكان السحر في مدّة موسى قد انتهى إلى غايته، وكذلك الطبّ في زمن عيسى، والفصاحة في مدّة محمد صلى الله عليه و آله.[١]
[١] - المحرّر الوجيز، المقدّمة، ج ١، ص ٥٢- ٥٣. وراجع: الزركشي في البرهان، ج ٢، ص ٩٧.