التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤ - ١ - رأي أبيسليمان الخطابي
اختصّ بها القرآن الفائقة في وصفها سائر البلاغات، وعن المعنى الذي يتميّز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة، قالوا: إنّه لايمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام. قالوا: قد يخفى سببه (سبب التفاضل بين كلامين) عند البحث، ويظهر أثره في النفس، حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به.
قالوا: وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا توجد مثلها لغيره منه، والكلامان معا فصيحان، ثمّ لا يوقف لشيء من ذلك على علّة ...
قلت: وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفي من داء الجهل به، وإنّما هو إشكال أُحيل به على إبهام.
وبذلك ينتهي إلى إبداء رأيه الأخير في وجه الإعجاز، قائلًا:
فأمّا من لم يرض من المعرفة بظاهر السمة دون البحث عن باطن العلّة، ولم يقنع في الأمر بأوائل البرهان حتى يستشهد لها دلائل الامتحان، فإنّه يقول: إنّ الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حسّ السامع، والهشاشة في نفسه، وما يتحلّى به من الرونق والبهجة، التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب، والتأثير في النفوس، فتصطلح من أجله الألسن على أنّه كلام لايشبهه كلام، وتحصر الأقوال عن معارضته، وتنقطع به الأطماع عنها، أمرٌ لابدّ له من سبب، بوجوده يجب له هذا الحكم، وبحصوله يستحقّ هذا الوصف.
قال: وقد استقرأنا أوصافه الخارجة عنه، وأسبابه النابتة منه، فلم نجد شيئا منها يثبت على النظر، أو يستقيم في القياس، ويطرد على المعايير. فوجب أن يكون ذلك المعنى مطلوبا من ذاته، ومستقصى من جهة نفسه، فدلّ النظر وشاهد العبر على أنّ السبب له والعلّة فيه: أنّ أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل.
وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، دون الهجين المذموم، الذي لا يوجد في القرآن شيء منه البتة.