التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨ - ٦ - رأي الإمام الرازي
مناسبات خفيّة، واتّفاقات إلهية بدلالة أنّ الواحد يؤثر حرفة من الحرف فينشرح صدره بملابستها، وتطيعه قواه في مزاولتها فيقبلها باتساع قلب، ويتعاطاها بانشراح صدر، وقد تضمّن ذلك قوله تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً»[١] وقول النبي صلى الله عليه و آله: «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له».[٢]
فلمّا رُئي أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كلّ واد من المعاني بسلاطة ألسنتهم، وقد دعا اللّه جماعتهم إلى معارضة القرآن، وعجزهم عن الإتيان بمثله، وليس تهتزّ غرائزهم البتة للتصدّي لمعارضته لم يخف على ذي لبّ أن صارفا إلهيا يصرفهم عن ذلك. وأيّ إعجاز أعظم من أن تكون كافّة البلغاء مخيّرة في الظاهر أن يعارضوه، ومجبرة في الباطن عن ذلك. وما أليقهم بإنشاد ما قال أبوتمام:
|
فإنْ نكُ اهْمِلْنا فَأضْعِفْ بِسَعْينا |
و إنْ نَكُ اجْبِرْنا فَفيمَ نُتَعْتِعُ |
|
واللّه ولي التوفيق والعصمة.[٣]
٦- رأي الإمام الرازي
ولأبي عبداللّه محمد بنعمر بنحسين فخرالدين الرازي (ت ٦٠٦) المفسّر المتكلّم الأُصولي الكبير، رأي في إعجاز القرآن طريف، وهو جمعه بين امور شتّى، كانت تستدعي هبوطا في فصاحة الكلام، لو كان أحد من البشر حاول القيام بها أجمع، لولا أنّ القرآن كلام اللّه الخارق لمألوف الناس، فقد جمع بين أفنان الكلام، ومع ذلك فقد بلغ الغاية في الفصاحة، وتسنّم الذروة من البلاغة، وهذا أمر عجيب!
قال: اعلم أنّ كونه (القرآن) معجزا يمكن بيانه من طريقين:
الأوّل أن يقال: إنّ هذا القرآن لايخلوا حاله من أحد وجوه ثلاثة: إمّا أن يكون مساويا لسائر كلام الفصحاء، أو زائدا على سائر كلام الفصحاء بقدر لاينقض العادة، أو
[١] - المائدة ٤٨: ٥.
[٢] - مسند أحمد، ج ٤، ص ٦٧.
[٣] - عن مقدّمته على التفسير، ص ١٠٤- ١٠٩.