التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٣ - ٧ - كلام القاضي عبدالجبار
فإن قيل: ومن أين أنّهم تركوا المعارضة ولم يعارضوه البتة؟ قيل له: إنّهم لوعارضوه لكان يجب أن ينقل إلينا معارضتهم، فإنّه لايجوز في حادثتين عظيمتين تحدثان معا، وكان الداعي إلى نقل إحداهما كالداعي إلى نقل الأُخرى، أن تخصّ إحداهما بالنقل، بل الواجب أن تنقلا جميعا أو لاتنقلا، فأمّا أن تنقل إحداهما دون الأُخرى فلا.
ولا يمكن إنكار ما قلناه من أنّ الداعي إلى نقل أحد الحادثين كالداعي إلى نقل الآخر، بل لو قيل: أنّ الداعي إلى نقل المعارضة أقوى لكان أولى، إذ المعارضة ممّا ينقلها المخالف والموافق. المخالف ينقله ليرى الناس أنّ فيه إبطال حجّة محمّد صلى الله عليه و آله والموافق ينقله ليتكلّم عليه ويبيّن أنّ ذلك ليس من المعارضة في شيء.
ويزيد ما ذكرنا وضوحا، أنّهم نقلوا من المعارضات ما هي ركيكة كمعارضة مسيلمة وغيره، فلولا أنّ دواعيهم كانت متوفّرة إلى ذلك، كان لاينقل إلينا هذه المعارضة على ركّتها.
قال: وبعدُ، فإنّ المعارضة لوكانت لكانت هي الحجّة، ولكان القرآن هو الشبهة، واللّه تعالى لايجوز أن يسلّط علينا الشبهة على وجه لاسبيل لنا إلى حلّها، ويمكن من إخفاء الحجّة على حدّ لايمكن الظفر بها، بل كان يجب أن يقوي الدواعي إلى نقل المعارضة أن لو وقعت، فلمّا لم يفعل، دلّنا ذلك على أنّها لم تقع البتة، وأنّ ذلك تمنّ.
فإن قيل: إنّ ما ذكرتموه يبنى على أنّ العرب كانوا حريصين على إبطال أمره وتوهين شأنه، وكان لم يمكنهم إلّا بالمعارضة، ونحن لا نسلّم ذلك.
قيل له: إنَّ ذلك معلوم بالاضطرار، فمعلوم أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله ادعى منزلة رفيعة عليهم، وهم كانوا في غاية الأنفة والحميّة والإباء، فكيف لم يحرصوا والحال هذه على إبطال أمره ورفع حجّته أن لوقدروا!
فإن قيل: لعلّ القوم لم يعلموا طريقة المعارضة والحجاج، ولو علموا ذلك فلعلّهم لم يعلموا أنّ أمره يبطل بالمعارضة!