التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٠ - ٥ - ابن المقفع
٥- ابن المقفّع
عبداللّه بن المقفّع الفارسي الماهر في صنعة الإنشاء والأدب[١] وهو الذي عرّب «كليلة ودمنة» باسلوبه الأدبي البديع، صاحب كتاب «الدّرّة اليتيمة» المعروفة. زعموا أنّه اشتغل بمعارضة القرآن مدّة ثمّ مزّق ما جمع واستحيى لنفسه من إظهاره.
يقال: اجتمع ابن أبي العوجاء وأبوشاكر الديصاني[٢] وعبدالملك البصري[٣] وابن المقفّع في المسجد الحرام يستهزئون بالحاجّ ويطعنون في الإسلام والقرآن.
فقال ابن أبي العوجاء: تعالوا ننقض القرآن كلّ واحد منّا ربعه، وإذا نقضناه بطلت نبوّة محمد صلى الله عليه و آله وفي إبطال نبوّته إبطال الإسلام!
فتوافقوا على أن يجتمعوا بعد عام ويأتوا بما عملوا في نفس المكان. فلمّا كان من قابل واجتمعوا، وإذا هم لم يأتوا بشيء!
قال ابن أبي العوجاء: أمّا أنا فمنذ افترقنا تفكّرت في هذه الآية «فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا».[٤] فلم أقدر على موازاتها في الفصاحة والبيان، فقد شغلتني عن التفكّر في غيرها!
وقال عبدالملك: وأنا منذ فارقتكم كنت مفكّرا في هذه الآية «يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ»[٥] فلم أقدر على مناظرتها!
وقال أبوشاكر: وأنا أيضا منذ مفارقتي إيّاكم ظلت متفكّرا في هذه الآية «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا».[٦] فلم أقدر على أن أُماثلها!
فقال ابنالمقفّع: ياقوم، إنّ هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا مذ فارقتكم
[١] - أسلم على يد« عيسى بنعلي» عمّ المنصور. ولعلّه لذلك لمنافسة كانت بينه وبين عمّه أمر عامله بالبصرة( سفيان بن معاوية) بشنق ابن المقفّع نكاية به، بحجّة زندقته في ظاهر الأمر كان ذلك عام( ١٤٣).
[٢] - ستأتيترجمتهما.
[٣] - لم نعثر له على ترجمته.
[٤] - يوسف ٨٠: ١٢.
[٥] - الحج ٧٣: ٢٢.
[٦] - الأنبياء ٢٢: ٢١.