التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٣ - بكاء النجاشي
قالا: فواللّه ما أمسى في دار بني عبدالأشهل رجل ولا امرأة إلّا مسلما ومسلمة.[١]
بكاء النجاشي
وفي الهجرة الأُولى إلى أرض الحبشة،[٢] أرسل إليهم النجاشي يستخبر أحوالهم فتقدّم جعفر بن أبيطالب، وكان لسان القوم، وقال: أيّها الملك، كنّا قوما أهل جاهليّة، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجار، ويأكل القويّ الضعيف، فكنّا على ذلك حتّى بعث اللّه إلينا رسولًا منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى اللّه- إلى أن قال-: فلمّا ضيّقت علينا قريش وحالت بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لانظلم عندك أيّها الملك.
فقال له النجاشي: هل معك شيء ممّا جاء به عن اللّه؟
قال جعفر: نعم. قال: فاقرأه عليّ!
فقرأ جعفر صدرا من سورة مريم فيما حكاه اللّه من حديث زكريّا ويحيى وعيسى وامّه الصدّيقة العذراء. وكان قد تلى الآيات بترنّم أخذ بمجامع قلوب السامعين.
فلمّا استمع النجاشي إلى هذا الترنّم المرهف، بكى بكاءً شديدا حتّى اخضلّت لحيته، وبكت الأساقفة الذين كانوا حضورا وكانت صحفهم بين أيديهم وقد ابتلّت بدموعهم، حينما سمعوا ما تلي عليهم من آيات الذكر الحكيم.
ثمّ قال لهم النجاشي: إنَّ هذا وما جاء به المسيح ليخرجان من مشكاة واحدة. وذكر ابنهشام أنّه أسلم ومات مسلم وصلّى عليه النبيّ صلى الله عليه و آله واستغفر له.[٣]
[١] - سيرة ابنهشام، ج ٢، ص ٧٧- ٨٠.
[٢] - كانت الهجرة إلى أرض الحبشة ذات مرحلتين. كان في المرحلة الاولى تسلّل رجال من مكّة لواذا، في خمسة عشر نفسا أحد عشر رجلًا وأربعة نساءً، وفي المرحلة الثانية كانوا ثمانين رجلًا غير نسائهم وأطفالهم، وكان قد ترأّسهم جعفر بن أبيطالب، وكان لسان القوم وهو الذي تكلّم مع النجاشي وأصحابه فيما تكلّم.
والهجرة إلى الحبشة في مرحلتيها تسمّى الهجرة الاولى تجاه الهجرة الكبرى إلى المدينة.
[٣] - المصدر، ج ١، ص ٣٥٩- ٣٦٥.