التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦١ - ١ - ليس في كلام العرب مايضاهي القرآن
على مرّ العصور. الأمر الذي سجّل على محياه الكريم: أنّه لم يسبق له نظير، ولا يخلفه أبداً بديل!
فإن كان النظّام و أصحابه إنّما أرادوا المضاهاة في مجموع هذه الجوانب و المزايا اللفظيّة و المعنويّة، فنحن نطالبهم أن يأتوا بشاهد من كلام العرب أو غيرهم من باب المثال، ولكنّهم أعجز من أن يأتوا بمثله و لو اجتمعوا له.
و إن أرادوا المباهاة ببدائع بعض روائع الكلام، فهذا شيء لا ننكره، ولكنّه ليس كلّ شأن الإعجاز، و لا وقع التحدّي بمثله.
و قوله تعالى: «وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ».[١]
قولة قالها النضر بنالحارث بنكلدة كان من زعماء قريش ومن شياطينهم الأفّاكين، صاحب ثروة ونفوذ كلمة. كان يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم، فلمّا قدم مكة سمع كلام النبيّ صلى الله عليه و آله والقرآن، فزعم أنّه من قبيل ذاك، فحسب من نفسه القدرة على مماثلته. كما كان قد تعلّم بعضا من أحاديث ملوك فارس (أساطير رستم وإسفنديار) فكان يقصّها على جهلاء العرب استحواذا عليهم ليلهيهم عن حديث الإسلام وذكريات القرآن، زاعما أنّه بذلك يقابل رسول اللّه في كلامه وتلاوة قرآنه. كان إذا جلس رسول اللّه صلى الله عليه و آله مجلسا يدعو الناس إلى اللّه ويتلو عليهم آياته ويحذّر قريشا ممّا أصاب الأُمم الخالية، خلفه النضر في مجلسه إذا قام عنه، ليحدّثهم عن حديث رستم وإسفنديار وملوك فارس، ويقول: واللّه ما محمّد بأحسن حديثا منّي، وما أحاديثه إلّا «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا».[٢]
قيل: فنزلت فيه: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ. وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ. وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ. أَنْ كانَ ذا مالٍ وَ بَنِينَ. إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ
[١] - الأنفال ٣١: ٨.
[٢] - الفرقان ٥: ٢٥.