التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨١ - الطفيل بنعمرو الدوسي
هذا شيئا إلّا عرف أنّه باطل». وإنّ أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لايمرّ بهم أحد إلّا حذّروه إيّاه، وذكروا لهم أمره.[١]
وكانوا إذا رفع النبيّ صلى الله عليه و آله صوته بالقرآن، جعلوا يصفّقون ويصفّرون ويخلطون بالكلام لئلّا تسمع قراءته «وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ».[٢]
قال ابنعباس: كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته، فكان المشركون يطردون الناس عنه ويقولون: لاتسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه. قال: بالتصفير والتخليط في المنطق على رسول اللّه صلى الله عليه و آله إذا قرأ القرآن، قريش تفعله.[٣]
الطفيل بنعمرو الدوسي
وكان الطفيل بنعمرو الدوسي شاعرا لبيبا من أشراف العرب، كان قد قدم مكّة ورسول اللّه صلى الله عليه و آله بها. فمشى إليه رجال من قريش، وقالوا له: يا طفيل، إنّك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا[٤] وقد فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا، وإنّما قوله كالسحر يفرّق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ماقد دخل علينا، فلا تكلّمه ولا تسمعنّ منه شيئا.
وكانت قريش قد تخوّفت من إسلام الطفيل، الشاعر المفلّق، وللشعر عند العرب مكانة سامية، فإذا أسلم اندفعت العرب وراءه.
قال الدوسي: فواللّه ما زالوا بي حتّى أجمعتُ أن لاأسمع منه شيئا ولا اكلّمه، حتّى حشوتُ في اذني حين غدوتُ إلى المسجد كرسفا، فَرَقا من أن يبلغني شيء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد وإذا رسول اللّه صلى الله عليه و آله قائم يصلّي عند الكعبة، فقمت قريبا
[١] - سيرة ابنهشام، ج ١، ص ٢٨٨- ٢٨٩.
[٢] - فصّلت ٢٦: ٤١.
[٣] - الدرّ المنثور للسيوطي، ج ٥، ص ٣٦٢- ٣٦٣.
[٤] - أي أوجد معضلة فينا، والمعضلة هي المشكلة.