التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٠ - الوليد بنالمغيرة المخزومي
مداخل مكة، ويأخذوا بسبل الناس، لايمرّ بهم أحد إلّا حذّروه من الإصغاء إلى ما يقوله محمد بنعبداللّه صلى الله عليه و آله فيقولوا: إنّه لسحر يفرّق به بين المرء وأخيه وأبيه وبين المرء وزوجه وولده وعشيرته!
كان الوليد قد حضر الموسم فاستغلّت قريش حضوره فاستماروه بشأن دعوة محمد صلى الله عليه و آله فأشار عليهم بتهمة السحر لمّا لم يجدوا سبيلًا إلى رميه بجنون أو شعر أو كهانة!
قال: يا معشر قريش، إنّه قد حضر هذا الموسم، وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا ويردّ قولكم بعضه بعضا!
قالوا: فأنت يا أباعبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به.
قال: بل أنتم فقولوا، أسمع. قالوا: نقول: كاهن!
قال: لا واللّه ما هو بكاهن. لقد رأينا الكُهّان، فما هو بزمزة الكاهن ولاسجعه.[١]
قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه. فما بخنقه.[٢] ولا تعالجه ولا وسوسته.
قالوا: فنقول: شاعر، قال: وما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر.
قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السُحّار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم.[٣]
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟
قال: «واللّه إنّ لقوله لحلاوة، وإنّ أصله لعَذق،[٤] وإنّ فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من
[١] - زمزمة الكاهن: رنّة صوته عند قراءة الأوراد على نحو ما تفعله الفرس عند شرب الماء من صوت مصيصة.
[٢] - خنق المجنون كناية عن بحّة صوته. وتعالجه: تعاطيه امورا غير منتظمة كناية عن هذيه.
[٣] - إشارة إلى ما كان يفعل الساحر بأن يعقد خيطا ثمّ ينفث فيه أي ينفخ ما يدمدمه من أوراد.
[٤] - قال السهيلي: العذق بفتح العين النخلة. استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وقوي، وطاب فرعها إذا اجني أي اقتطف ثمرها. الروض الأُنف، ج ٢، ص ٢١.