التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨ - الإعجاز ضرورة دفاعية
الإعجاز ضرورة دفاعيّة
الإعجاز ضرورة، ولكنّها دفاعيّة وليست ضرورة دعائيّة!
أمّا أنّ المعجزة ضرورة، فلأنّ الدعوة لمّا كانت مستندة إلى الغيب، وهو وحي السماء، فلابدّ أن يدعمها آية تجانسها، تنفي كلّ احتمال خلاف، وتدحض شُبَه المعارضين!
وأمّا أنّها ضرورة دفاعيّة وليست دعائيّة، فلأنّ رسالة الأنبياء جميعا، على وضح من الحقّ الصريح، لا غُبار عليها ولا كانت حاجة إلى إقامة برهان. «لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ».[١] «لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ».[٢]
كانت دعوة الأنبياء تهدف إلى إيقاظ الفطرة وإثارة دفائن العقول،[٣] دعوة إلى ما يتجاوب مع الفطرة السليمة وتتجاذبه العقول الرشيدة! فلا حاجة إلى إقامة برهانٍ على وضح النور المبين. «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ».[٤] أي فلتكن على ثقة من أمرك، فإنّ لديك الحقّ ساطعا كالشمس اللائحة، تسطو بأنوارها على الآفاق!
والحقّ لا يلتبس بالباطل أبدا! تلك سنّة اللّه جرت في الخلق، كما قال الإمام الصادق عليه السلام قال: «ولو لم يُجعل هذا هكذا ما عُرف حقّ من باطل».[٥] أي: الحقّ بذاته واضح، والباطل بنفسه فاضح. وهو أمر فطريٌّ مجبول عليه الناس في فطرتهم الأُولى ...
ولو لم يكن تمييز الحقّ عن الباطل فطريّا- في بداهة العقول- لم يكن هناك معيار آخر لهذا التمييز، إذ أيّ معيار يجعل مقياسا لتمييز الحقّ غير الحقّ نفسه؟!
قال الصادق عليه السلام: «كلّ قوم يعملون على ريبةٍ من أمرهم، ومشكلةٍ من رأيهم، وزارئ
[١] - الرعد ١٤: ١٣.
[٢] - الأعراف ٤٣: ٧.
[٣] - راجع: نهج البلاغة، الخطبة ١.
[٤] - النمل ٧٩: ٢٧.
[٥] - روى البرقي بإسناده إلى ابن أبييعفور عن أبيعبداللّه عليه السلام قال:« أبى اللّه أن يعرّف باطلًا حقّا، أبى اللّه أن يجعل الحقّ في قلب المؤمن باطلًا لا شكّ فيه، وأبى اللّه أن يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقّا لا شكّ فيه. ولو لم يجعل هذا هكذا ما عُرف حقّ من باطل». وفي حديث آخر:« ليس من باطل يقوم بإزاء الحقّ إلّا غلب الحقُّ الباطل. وذلك قوله تعالى:« بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ». الأنبياء ١٨: ٢١. راجع: كتاب المحاسن- مصابيح الظلم، ج ١، ص ٤٣٢، برقم ٩٩٨ و ٩٩٩.