التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٦ - ثلاثة من أشراف قريش يتسللون بيت الرسول
ثلاثة من أشراف قريش يتسلّلون بيت الرسول
كانت قريش ربّما تتسلّل ليلًا إلى استماع القرآن من رسول اللّه صلى الله عليه و آله أو أحد أصحابه، لترى ما في هذا الكلام من سرّ التأثير. فقد اتّفق أنّ أباسفيان بنحرب[١] وكذا أبوجهل بنهشام والأخنس بنشريق الثقفي وكان لمّاذا خبيثا يتظاهر بغير مايبطنه، خرجوا ليلًا إلى بيته صلى الله عليه و آله من غير أن يعلم كلّ بصاحبه. فجلس كلّ واحد في مخبئه لايعلم به أحد حتّى مطلع الفجر، يستمعون إلى قرآنه وهو قائم يصلّي في بيته صلى الله عليه و آله وعند الصباح أخذ كلّ منهم طريقه إلى بيته حتّى إذا جَمَعهم الطريق، فشلوا وتلاوموا، وقال بعضهم لبعض، لا تعودوا لمثل ذلك، فلورآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا وكان ذلك تأييدا لموضع محمد صلى الله عليه و آله ثمّ انصرفوا، ولكن من غير أن ينقضي عجبهم أو يرتوي ظمؤهم إلى استماع هذا الكلام السحريّ العجيب، ومن ثمّ عادت مسيرتهم في الليلة الثانية والثالثة، وفي كلّ ليلة يفتضحون عند الصباح، حتّى تعاهدوا فيما بينهم أن لايعودوا أبدا.
وفي صباح اليوم الثالث جاء الأخنس إلى أبيسفيان يسترئيه فيما سمعه من محمد صلى الله عليه و آله فقال: «واللّه لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ماعرفت معناها ولا ما يراد بها!» فقال الأخنس: وأنا كذلك، والذي حلفت به!
ثمّ رجع إلى أبيجهل ودخل عليه وقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد صلى الله عليه و آله فقال: ماذا سمعتُ! تنازعنا نحن وبنو عبدمناف الشرف، أطعَموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتّى إذا تجاذينا على الرُّكب وكنّا كفرسي رهان!
والآن قالوا: منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه! واللّه لانؤمن به أبدا ولا نصدّقه. فقام عنه الأخنس وتركه![٢]
هكذا تحكّم الحسد والعصبيّة في نفوس قريش، فحال دون قبولهم للحقّ الصريح،
[١] - ويروى مكان أبيسفيان، الوليد بنالمغيرة. قال الرفاعي: وهؤلاء الثلاثة من بلغاء قريش الذين لايعدل بهم في البلاغة أحد. إعجاز القرآن- في الهامش- ص ٢١٣.
[٢] - سيرة ابنهشام، ج ١، ص ٣٣٧- ٣٣٨.