التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤١ - ٥ - ابن المقفع
مفكّر في هذه الآية «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»[١] فلم أستطع أن آتي بنظيرتها!
قال هشام بنالحكم[٢] وهو يراقب الجماعة: فبينما هم في ذلك، إذ مرّ بهم الإمام جعفربن محمد الصادق عليه السلام وعلم ماهم فيه، فقال لهم- متهكّما-: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً».[٣]
قال: فنظر القوم بعضهم إلى بعض، وقالوا- معجبين بالأمر-: لئن كان للإسلام حقيقة، لما انتهت وصاية محمد صلى الله عليه و آله إلّا إلى مثل جعفر بنمحمد عليه السلام واللّه مارأيناه قطّ إلّا هبناه واقشعرّت جلودنا لهيبته. ثمّ تفرّقوا مقرّين بالعجز.[٤]
هذا وقد أنكر العلماء نسبة ذلك إلى ابنالمقفّع، الذي هومن أبصر الناس باستحالة المعارضة. إنّما يعرف ذاالفضل من الفضل ذووه.
قال الرافعي: هذه النسبة مكذوبة عليه، وأنّ ابن المقفّع من أبصر الناس بعدم إمكان معارضة مثل القرآن، لالشيء إلّا لأنّه من أبلغ الناس. وإذا قيل أنّ فلانا يزعم إمكان المعارضة فاعلم أنّه إمّا جاهل أحمق أو عالم أعمته العصبيّة، وابن المقفّع ليس واحدا منهما، ذلك الرجل العاقل الخبير بموضع نفسه من كلام اللّه المجيد.
قلت: إن صحّت الرواية- ولم تصحّ- فلعلّه كان مجاراة مع بني جلدته من أهل الأدب وربما كانوا يلحدون في آيات اللّه، فأراد بهذه التجربة إفحامهم وإقناعهم بواقع الأمر.
يدلّك على ذلك قصّته الاخرى- في المسجد الحرام- مع أصحابه، عندما مرّوا بالإمام جعفربن محمد الصادق عليه السلام فعمد إلى التنويه بمقامه الرفيع:
[١] - هود ٤٤: ١١.
[٢] - كان من أعاظم صحابة الإمام الصادق عليه السلام مشهورا بالكلام وحسن المناظرة. كان كوفيّا ونشأ بواسط واتّجر ببغداد. توفّي سنة ١٩٩.
[٣] - الإسراء ٨٨: ١٧.
[٤] - الاحتجاج للطبرسي، ج ٢، ص ١٤٢- ١٤٣؛ وأورد مختصره في بحار الأنوار، ج ٨٩، ص ١٦ نقلًا عن مختصر الخرائج، ص ٢٤٢.