التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٢ - ٢ - الإطراد من روائع البديع
الْأَوَّلِينَ. سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ. إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ. وَ لا يَسْتَثْنُونَ. فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نائِمُونَ. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ».[١]
فكانت الآيات صواقع قوارع هدّمت عليهم بنيانهم وأضرمته نارا! هكذا جابههم القرآن بصوته المدوّي الصارخ العنيف، وذرّ أوهامهم هباءً منثورا. فلو كانت لهم بقيّة باقية لقاموا في وجهه، ولكن أنّى لهم التناوش من مكان بعيد؟!
وقع أسيرا يوم بدر، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام: يا عليُّ عَليَّ بالنضر، فأخذ عليٌّ بشعره وجرّه، وكان رجلًا جميلًا متجمّلًا بشعره، فجاء به إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال: يا محمّد، أسألك بالرحم بيني وبينك إلّا أجريتني كرجل من قريش إن قتلتهم قتلتني وإن فاديتهم فاديتني. فقال صلى الله عليه و آله: لارحم بيني وبينك، قطع اللّه الرحم بالإسلام. قدِّمه يا عليُّ واضرب عنقه، فقدّمه وضرب عنقه صبرا. لعنه اللّه.[٢]
وبعد ... فلا يؤخذ من قولة صاحب نخوةٍ وأوهامٍ شاهدا على برهان!
٢- الإطّراد من روائع البديع
زعم ابنحزم أن لا اعجوبة في سرد أسماء. لكن يكذّبه رائعة «الإطّراد»[٣] في باب البديع. وهو: أن يطّرد الشاعر أو المتكلّم- عند صياغة الكلام إن نظما أو نثرا- في سرد أسماء متعاقبة من غير كلفة ولا حشو فارغ. قال ابنرشيق: فإنّها إذا اطّردت كذلك، دلّت على قوّة طبع الشاعر وقلّة كلفته ومبالاته بالشعر. قال الأعشى:
|
أقيس بنمسعود بنقيس بنخالد |
وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل[٤] |
|
[١] - القلم ٧: ٦٨- ٢٠.
[٢] - سيرة ابنهشام، ج ١، ص ٣٨٤؛ ومجمع البيان، ج ٤، ص ٥٣٨؛ والدر المنثور، ج ٣، ص ١٨٠.
[٣] - قال ابن أبيالإصبع: هو أن يطّرد للمتكلّم أسماء لآباء ممدوحه منسوب بعضها إلى بعض، مرتّبة على حكم ترتيبها في الميلاد. من ذلك قوله تعالى:« وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ»، يوسف ٣٨: ١٢. قال: فالحظّ ما اتفق في هذه اللفظات السّت من أنواع البلاغة، لتقدّر نظم القرآن العزيز قدره وتعرف فرق مابينه في هذا الباب وما جاء فيه من أشعار فصحاء العرب ... ثمّ جعل يعدّد موارد الروعة في الآية ... بديع القرآن، ص ١٤١.
[٤] - الوائل: صاحب الحاجة وطالب النجاة من المأزق.