التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٦ - ٩ - كلام القطب الراوندي
كما تبيّن.
وأمّا من قال: إنّ القرآن نظمه وتأليفه مستحيلان من العباد، كخلق الجواهر والألوان فقولهم به على الإطلاق باطل، لأنّ الحروف كلّها من مقدورنا، والكلام كلّه يتركّب من الحروف التي يقدر عليها كلّ متكلّم، وأمّا التأليف فإطلاقه مجاز في القرآن، لأنّ حقيقته في الأجسام، وإنّما يراد من القرآن حدوث بعضه في أثر بعض، فإن أُريد ذلك فهو إنّما يتعذّر لفقد العلم بالفصاحة وكيفيّة إيقاع الحروف، لا أنّ ذلك مستحيل، كما أنّ الشعر يتعذّر على العجم لعدم علمه بذلك، لا أنّه مستحيل منه من حيث القدرة، ومتى أُريد استحالة ذلك بما يرجع إلى فقد العلم فذلك خطأ في العبارة دون المعنى.[١]
وأمّا القائلون بأنّ إعجازه الفصاحة، قالوا: إنّ اللّه جعل معجزة كلّ نبيّ من جنس ما يتعاطاه قومه، فقد كان الغالب على قوم موسى عليه السلام السحر، فكانت معجزته العصا واليد البيضاء، فعرفوا أنّه فوق متعاطاهم فآمنوا. وكذلك كان الغالب في زمن عيسى عليه السلام الطبّ، فأظهر اللّه على يده إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، ممّا لايناله الطبّ فآمنوا به.
فهكذا لمّا كان زمن محمّد صلى الله عليه و آله الغالب على قومه الفصاحة والبلاغة حتّى كانوا لايتفاخرون بشيء كتفاخرهم بها، جعل اللّه معجزته من ذلك القبيل، فأظهر على يديه هذا القرآن، وعلم الفصحاء منهم أنّ ذلك ليس من كلام البشر، فآمنوا به. ولهذا جاء المخصوصون فآمنوا برسول اللّه صلى الله عليه و آله كالأعشى مدح رسول اللّه صلى الله عليه و آله بقصيدة وأراد أن يؤمن، فدافعه قريش وجعلوا يحدّثونه بأسوأ ما يقدرون عليه، فلم يزالوا بالسعي حتّى صدّوه. وجاء لبيد وآمن برسول اللّه صلى الله عليه و آله وترك قيل الشعر تعظيما لأمر القرآن ...
قالوا: ومن خالفنا في هذا الباب يقول: إنّ المعجز قد يلتبس بالحيلة لكنّه إذا لم يكن طريق إلى الفصل بينهما، وهاهنا وجوه من الفصل، منها:
إنّ المعجز إنّما يظهر عند من يكون من أهل هذا الباب ويروّج عليهم، والحيلة إنّما تظهر عند العوام وتروّج على الجهّال.
[١] - بحار الأنوار، ج ٨٩، ص ١٢٧- ١٣٠.