التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢١ - ٤ - مصطفى صادق الرافعي ونظرته في اسلوب القرآن الجداد * * *
وأخطروا بأنفسهم وأموالهم، وانصرفوا عن توهّن حجّته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من الكلام، فقالوا ساحر، وشاعر، ومجنون، ورجل يكتتب أساطير الأوّلين، وإنّما يعلّمه بشر، وأمثال ذلك ممّا أخذت به الحجة عليهم وكان إقرارا منهم بالعجز ...[١]
قال: وكان اسلوب الكلام عند العرب قبيلًا واحدا وجنسا معروفا، ليس إلّا الحرّ من المنطق والجزل من الخطاب، وإلّا اطّراد النسق وتوثيق السرّ وفصاحة العبارة وحسن ائتلافها ... فلمّا ورد عليهم اسلوب القرآن رأوا ألفاظهم بأعيانها متساوقة فيما ألفوه من طرق الخطاب وألوان المنطق، ليس في ذلك إعنات ولا معاياة، غير أنّهم ورد عليهم من طرق نظمه، ووجوه تركيبه، ونسق حروفه في كلماتها، وكلماته في جملها، ونسق هذه الجمل في جملته، ما أذهلهم عن أنفسهم، من هيبة رائعة وروعة مخوفة، وخوف تقشعّر منه الجلود، حتّى أحسّوا بضعف الفطرة وتخلّف الملكة، ورأى بلغاؤهم أنّه جنس من الكلام غير ماهم فيه فاستيأسوا من حقّ المعارضة، إذ وجدوا من القرآن مايغمر القوّة ويحيل الطبع ويخاذل النفس، مصادمة لاحيلة ولاخدعة ... ولهذا انقطعوا عن المعارضة ...[٢]
ثمّ أخذ في بيان وجه هذا الإعجاز وسرّه الكامن وراء جمال لفظه وروعة بيانه، قال:
ذلك بعض ماتهيّأ لنا من القول في الجهات التي اختصّ بها اسلوب القرآن، فكانت أسبابا لانقطاع العرب دونه وانخذالهم عنه. وتلك أسباب لايمكن أن يكون شيء منها في كلام بلغاء الناس من أهل هذه اللغة، لأنّها خارجة عن قوى العقول وجماع الطبائع، ولا أثر لها في نفس كلّ بليغ إلّا استشعار العجز عنها والوقوف من دونها ... وإنّما تلك الجهات صفات من نظم القرآن وطريقة تركيبه، فنحن الآن قائلون في سرّ الإعجاز الذي قامت عليه هذه الطريقة وانفرد به ذلك النظم، وهو سرّ لاندّعي أنّنا نكشفه أو نستخلصه أو ننتظم اسلوبه، وإنّما جهدنا أن نومئ إليه من ناحية ونعيّن بعض أوصافه من ناحية، فإنّ هذا القرآن هو ضمير الحياة، وهو من اللغة كالروح الإلهيّة التي تستقرّ في مواهب الإنسان فتضمن لآثاره
[١] - إعجاز القرآن للرافعي، ص ١٦٩- ١٧٠.
[٢] - المصدر، ص ١٨٨- ١٨٩.