التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٣ - ٤ - مصطفى صادق الرافعي ونظرته في اسلوب القرآن الجداد * * *
في ذلك حرفا واحدا، ويعلو القرآن على الموسيقى، أنّه مع هذه الخاصّيّة العجيبة ليس من الموسيقى)- والعرب لم يفتهم هذا المعنى، وأنَّه أمر لاقبل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم، حتّى أنّ من عارضه منهم، كمسيلمة، جنح في خرافاته إلى ماحسبه نظما موسيقيا أو بابا منه وطوى عمّا وراء ذلك من التصرّف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنّه فطن إلى أنّ الصدمة الأُولى للنفس العربيّة، وإنّما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ماعداها، وليس يتّفق ذلك في شيء من كلام العرب إلّا أن يكون وزنا من الشعر أو السجع.
... وأنت تتبيّن ذلك إذا أنشأت ترتّل قطعة من نثر فصحاء العرب أو غيرهم على طريقة التلاوة في القرآن، ممّا تراعى فيه أحكام القراءة وطرق الأداء، فإنّك لابدّ ظاهر بنفسك على النقص في كلام البلغاء وانحطاطه في ذلك عن مرتبة القرآن بل ترى كأنّك بهذا التحسين قد نكّرت الكلام وغيّرته، فأخرجته من صفة الفصاحة، وجرّدته من زينة الأُسلوب ... لأنّك تزنه على أوزان لم يتّسق عليها ..
... وحسبك بهذا اعتبارا في إعجاز النظم الموسيقي في القرآن، وأنّه ممّا لايتعلّق به أحد، ولا يتّفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلّا فيه، لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعيّة في الهمس والجهر، والشدّة والرخاوة، والتفخيم والترقيق، والتفشّي والتكرير، وغير ذلك ممّا جاء في صفات الحروف.
... ولقد كان هذا النظم عينه هو الذي صفّى طباع البلغاء بعد الإسلام، وتولّى تربية الذوق الموسيقي اللغوي فيهم، حتّى كان لهم من محاسن التركيب في أساليبهم- ممّا يرجع إلى تساوق النظم واستواء التأليف- مالم يكن مثله للعرب من قبلهم، وحتّى خرجوا عن طرق العرب في السجع والترسّل، على جفاء كان فيهما، إلى سجع وترسّل تتعرّف في نظمهما آثار الوزن والتلحين ...
وليس يخفى أنّ مادّة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي، وأنّ هذا الانفعال بطبيعته