التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦ - الإعجاز في مفهومه
«لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً»[١] وتارة يقولون: «ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ»[٢] كلّ ذلك عجزا عن الإتيان بمثله، علمنا قصورهم عنه، ومحال أن يقال: إنّه عورض فلم ينقل فالنفوس مهتزّة لنقل مادقّ وجلّ. وقد رأينا كتبا كثيرة صنّفت في الطعن على الإسلام قد نقلت وتدوولت.[٣]
*** ويمتاز القرآن على سائر المعاجز بأنّه يضمّ إلى جانب كونه معجزا جانب كونه كتاب تشريع، فقد قُرن التشريع بإعجاز و وُحّد بينهما، فكانت دعوة يرافقها شهادة من ذاتها، دلّ على ذاته بذاته.
قال العلامة ابنخلدون: اعلم أنّ أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله .. فإنّ الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقّاه النبيّ ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه، والقرآن هو بنفسه الوحي المدّعى، وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة، لاتّحاد الدليل والمدلول فيه.
قال: وهذا معنى قوله صلى الله عليه و آله: «ما من نبيّ من الأنبياء إلّا وأُوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أُوتيتُه وحيا اوحي إليّ، فأنا أرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». يشير إلى أنّ المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوّة الدلالة، وهو كونها نفس الوحي، كان الصدق لها أكثر لوضوحها، فكثر المصدّق المؤمن وهو التابع والامّة.[٤]
*** و قال الجاحظ: بعث اللّه محمّدا صلى الله عليه و آله أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا، وأحكم ما كانت لغة، وأشدّ ما كانت عدّة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد اللّه وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجّة، فلمّا قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار، الهوى
[١] - الفرقان ٣٢: ٢٥.
[٢] - يونس ١٥: ١٠.
[٣] - عن مقدّمته على التفسير، ص ١٠٢- ١٠٤.
[٤] - المقدّمة السادسة، ص ٩٥.