التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢ - ٧ - كلام القاضي عبدالجبار
النبوّة، وظهر عليه القرآن، وسمع منه ولم يسمع من غيره، وأنّه تحدّى العرب بمعارضته وقرعهم بالعجز عن الإتيان بمثله فلم يأتوا به، لا لوجه سوى عجزهم وقصورهم عن الإتيان بمثله.
فمتى عرفت هذه الوجوه كلّها كنت عارفا بنبوّة محمّد صلى الله عليه و آله.
أمّا وجوده، وادّعاء النبوّة، وإنّ القرآن ظهر عليه، وسمع منه ولم يسمعوا من غيره فمعلوم ضرورة، ولا مانع يمنع من حصول العلم بهذه الأشياء وما جانسها اضطرارا، فإنّ العلم بالملوك والبلدان وبكون المصنّفات منسوبة إلى مصنّفها ضرورة.
وأمّا تحدّيه العرب بمعارضة القرآن، وتقريعه إيّاهم بالعجز عن ذلك، ففي أصحابنا من جعل العلم به ضروريّا، ومن جعله مكتسبا. ومن جعله مكتسبا قال: ليس المرجع بالتحدّي إلّا أن يعتقد أنّ له مزيّة على غيره بسبب ما معه، وهذا كان حال النبي صلى الله عليه و آله مع القوم، فكان يعتقد أنّه خير الناس لمكان ما جاء به من القرآن، فكيف يمكن إنكار أنّه لم يتحدّاهم بمعارضته ولم يقرعهم بالعجز عن الإتيان بمثله؟
وأيضا فكتاب اللّه تعالى مشحون بآيات التحدّي، وهي مسموعة الآن والتحدّي قائم على وجه الدهر، وفي الفصحاء كثرة في هذه الأزمان، فيجب أن يأتوا بمثله. ومتى قالوا:
أنّ الفصاحة تناقصت الآن كالشعر، قلنا: إن أمكن أن يقال ذلك في الشعر فلا يمكن في الفصاحة، ففي خطباء هذه الأزمنة من لا يداني كلامه كلام أفصح فصيح في ذلك الزمان.
فهذا واصل بنعطاء ربّما تفي خطبة من خطبه بكثير من كلام فصحاء أُولئك العرب. وهذا أبوعثمان عمرو بنعبيد، ففصل من كلامه ربّما يزيد على كلام أبينهم كلاما وأجزلهم لفظا وأفصحهم لسانا، فكيف يصحّ ما ذكرتموه؟
وأمّا ترك العرب معارضة القرآن، وعدولهم عنه إلى المقاتلة، فظاهر أيضا، فإنّهم حين أحسّوا من أنفسهم العجز عن الإتيان بمثل القرآن، تركوه إلى المقاتلة، وذلك يؤذن بعجزهم عن ذلك، وإلّا فالعاقل إذا أمكنه دفع خصومه بأيسر الأمرين لايعدل عنه إلى أصعبهما.