التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٥ - كلمة مصطفى صادق الرافعي
كذلك قد يصرف الهمم والأفكار عن أن يباري القرآن أحد. مذهب أعوج أعرج أو كما قيل: حرفة عاجز وحجّة كسول، لايليق إسناده إلى علمائنا الفحول. لأنّ اللّه عزّ شأنه فيّاض عدل، ذو رأفة وفضل، فهو أرفع شأنا من أن يأمر الإنس والجنّ أن يباروا القرآن، ويرضى منهم بمباراة بعضه لوتعذّر عليهم مباراة كلّه. ثمّ يعترض سبيلهم ويصرف منهم القوّة والهمّة، ويمنعهم من أن يأتوا بما تحدّاهم به ...
والظاهر من ظواهر الآيات أنّ القرآن في ذاته، متعال بميزاته، حائز أرقى الميزات وأبلغ المعجزات، وينبغي أن يكون كذلك إن اريد مدحه وفضله. أمّا لوحصرنا وجه الإعجاز في نقطة الصرفة ... فيتمّ حتى مع كونه كلاما مبذولًا مرذولًا للغاية، ففي الوجوه الوجيهة السالفة غنية وكفاية ...[١]
كلمة مصطفى صادق الرافعي
وكلمة أخيرة قالها الأُستاذ الرافعي: فذهب شيطان المتكلّمين أبوإسحاق النظّام إلى أنّ الإعجاز كان بالصرفة، وهي أنّ اللّه صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها، فكان هذا الصرف خارقا للعادة ... قلنا: وكأنّه من هذا القبيل هو المعجزة لاالقرآن. وهذا الذي يروونه عنه أحد شطرين من رأيه، أمّا الشطر الآخر فهو الإعجاز إنّما كان من حيث الإخبار عن الأُمور الماضية والآتية.
وقال المرتضى من الشيعة: بل معنى الصرفة أنّ اللّه سلبهم العلوم .. التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيؤوا بمثل القرآن. فكأنّه يقول: إنّهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأُسلوب ولايستطيعون ماوراء ذلك ممّا لبسته ألفاظ القرآن من المعاني، إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم في زمنهم ... وهذا رأي بيّن الخلط كما ترى.
غير أنّ النظّام هو الذي بالغ في القول بالصرفة حتّى عرفت به، وكان هذا الرجل من شياطين أهل الكلام، على بلاغة ولسن وحسن تصرّف ... وقد جاء رأيه في مذهب
[١] - المعجزة الخالدة، ص ٩٨.