التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٩ - ٤ - مصطفى صادق الرافعي ونظرته في اسلوب القرآن الجداد * * *
- كما يقول ابنعطية-: «لو نزعت منه لفظة ثمّ ادير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد».
بل هو كما وصفه تعالى «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ».[١]
وميزة اخرى تفوق بالقرآن الكريم على سائر الكلام: أنّه خطاب مع العامّة كما هو خطاب مع الخاصّة، وهاتان غايتان متباعدتان عند الناس. إنّك لوخاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء، لنزلت بالكلام إلى مستوىً لايرضونه. ولو أنّك خاطبت العامّة باللّمحة والإشارة التي تخاطب بها الخاصّة للجأتهم إلى مالا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك- إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حقّها كاملًا من بيانك- أن تخاطب كلّ واحدة منهما بغير ما تخاطب الأُخرى، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال ... فأمّا أنّ جملة واحدة وتعبيرا واحدا تلقي إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء وإلى السوقة والأُدباء، فيراها كلّ منهم مقدرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته، فذلك مالا تجده- على أتمّه- إلّا في القرآن الكريم، فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامّة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لايلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون منه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامّة والخاصّة على السواء، ميسّر لكلّ من أراد «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ».[٢]
وميّزات أُخرى أيضا ذكرهنّ بهذا الشأن، سوف نوافيك بها في فصل قادم عند الكلام عن دلائل الإعجاز، في الحقل الثاني من الكتاب إن شاء اللّه.
*** [٤- مصطفى صادق الرافعي ونظرته في اسلوب القرآن الجداد***]
٤- وقال الأُستاذ مصطفى صادق الرافعي: وقد كان من عادة العرب أن يتحدّى بعضهم بعضا في المساجلة والمقارضة بالقصيد والخطب، ثقة منهم بقوّة الطبع، ولأنّ ذلك مذهب من مفاخرهم، يستعلون به ويذيع لهم حسن الذكر وعلوّ الكلمة، وهم مجبولون
[١] - هود ١: ١١.
[٢] - القمر ١٧: ٥٤. راجع: النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن، ص ٩٥- ١٠٦.