التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٤ - ٧ - كلام القاضي عبدالجبار
قيل له: أمّا الأوّل فلا يصحّ، لأنّ المعارضة كانت عادتهم، ولهذا لم يأت شاعر بقصيدة فيما بينهم إلّا وشاعر آخر يعارضه أو رام معارضته، وهذا معلوم من حال شعرائهم، نحو امرئ القيس وعلقمة وأشباههما.
وأمّا الثاني، فباطل أيضا، لأنّ كلّ أحد يعلم أنّ خصمه إذا أتاه بأمر، وادعى لمكانه منزلة عظيمة عليه، وتحدّاه بمعارضته، فإنّه متى عارضه فقد أبطل دعواه، وهذا ممّا لا يخفى على الصبيان في مباراتهم بأمثال الطفرة وإشالة الحجر ونحوهما، فكيف على دهاة العرب!
فإن قيل: إنّهم أرادوا استئصاله بالمقاتلة. قلنا: لولا عجزهم عن المعارضة لما أرادوا استئصاله، لأنّهم لوقدروا على المعارضة كانت أسهل عليهم في استئصاله وإسقاطه من مكانه في العرب المكان الذي كان. ولايليق بالعاقل العدول عن الأمر السهل إلى الأمر الصعب، وقد كانت المعارضة التي كانت عندهم- بزعمهم- بمنزلة الأكل والشرب والقيام والقعود.
فإن قيل: لعلّهم إنّما قاموا بالمقاتلة دون المعارضة، لإبطال دعواه وحسم مادّته، إذ ربّما لاتنقطع مادّته بالمعارضة، وأنّ الخلاف يبقى، ويكون الناس بين رجلين: رجل له ورجل عليه، فتطول المنازعة ولا تنقطع.
قيل لهم: إنّ هذا لوكان صارفا عن معارضة القرآن، فليكن صارفا عن سائر المعارضات الشعريّة التي كانت متداولة عندهم، إذ يكون الناس بين متعصّب لهذا ومتعصّب لذاك، فليمسكوا عن المعارضة رأسا!
فإن قيل: لعلّهم أخطؤوا في العدول إلى المحاربة، كما أخطؤوا في عبادة الأصنام عن عبادة اللّه تعالى.
قيل له: إنّما أخطأتم أنتم في القياس، لأنّ ذلك أمر نظري يستدرك بطريقة الاستدلال والاستنباط، ممّا يمكن فيه الخطأ. وليس حال المعارضة كذلك، فإنّه ضروري لايتصوّر فيه الخطأ.