التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٢ - ٢ - مصطفى محمود وحكاية الموسيقى الداخلة للقرآن * * *
يذهل، وأن لايستطيع أن يكتم إعجابه بالقرآن، برغم كفره فيقول، وقد اعتبره من كلام محمد:
«واللّه إنّ لقوله لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه يعلو ولا يعلى عليه».
ولمّا طلبوا منه أن يسبّه قال: «قولوا ساحر جاء بقول يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته».
إنّه السحر حتّى على لسان العدوّ الذي يبحث عن كلمة يسبّه بها.
وإذا كانت العبارة القرآنية لاتقع على آذاننا اليوم موقع السحر والعجب والذهول، فالسبب هو التعوّد والأُلفة والمعايشة منذ الطفولة والبلادة والإغراق في عامّيّة مبتذلة أبعدتنا عن اصول لغتنا. ثمّ اسلوب الأداء الرتيب المملّ الذي نسمعه من مرتّلين محترفين يكرّرون السور من أوّلها إلى آخرها بنبرة واحدة لايختلف فيها موقف الحزن من موقف الفرح من موقف الوعيد من موقف البشرى من موقف العبرة. نبرة واحدة رتيبة تموت فيها المعاني وتتسطح العبارات.
وبالمثل بعض المشايخ ممّن يقرأ القرآن على سبيل اللعلعة دون أن ينبض شيء في قلبه ... ثمّ المناسبات الكثيرة التي يقرأ القرآن فيها روتينيّا ... ثمّ الحياة العصرية التي تعدّدت فيها المشاغل وتوزّع الانتباه وتحجّر القلب وتعقّدت النفوس وصدئت الأرواح.
وبرغم هذا كلّه فإنّ لحظة صفاء ينزع الواحد فيها نفسه من هذه البيئة اللزجة ويرتدّ فيها طفلًا بكرا وترتدّ له نفسه على شفّافيّتها، كفيلة بأن تعيد إليه ذلك الطعم الفريد والنكهة المذهلة والإيقاع المطرب الجميل في القرآن ... وكفيلة بأن توقفه مذهولًا من جديد بعد قرابة ألف وأربعمائة سنة من نزول هذه الآيات وكأنّها تنزل عليه لساعتها وتوّها.
اسمع القرآن يصف العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة باسلوب رفيع وبكلمة رقيقة مهذّبة فريدة لاتجد لها مثيلًا ولا بديلًا في أيّة لغة: «فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً».[١] هذه
[١] - الأعراف ١٨٩: ٧.