التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - ٦ - رأي الإمام الرازي
زائدا عليه بقدر ينقض. والقسمان الأوّلان باطلان فتعيّن الثالث.
وإنّما قلنا: إنّهما باطلان، لأنّه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إمّا مجتمعين أو منفردين، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول، فالشهود والحكّام يزيلون الشبهة، وذلك نهاية في الاحتجاج، لأنّهم كانوا في معرفة اللغة والاطّلاع على قوانين الفصاحة في الغاية، وكانوا في محبّة إبطال أمره في الغاية، حتّى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن، وكانوا في الحميّة والأنفة على حدّ لا يقبلون الحقّ فكيف الباطل. وكلّ ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله، والمعارضة أقوى القوادح. فلمّا لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها، فثبت أنّ القرآن لايماثل قولهم، وأنّ التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتا معتادا، فهو إذن تفاوت ناقض للعادة، فوجب أن يكون معجزا.
.. واعلم أنّه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته، ومع ذلك فإنّه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدلّ ذلك على كونه معجزا.
أحدها: أنّ فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات، مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم.
وثانيها: أنّه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزّه عن الكذب في جميعه، وكلّ شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيّدا، ألا ترى أنّ لبيد بنربيعة وحسّان بنثابت لمّا أسلما نزل شعرهما ولم يكن شعرهما الإسلاميّ في الجودة كشعرهما الجاهلي. وأنّ اللّه تعالى مع ما تنزّه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحا كما ترى.
وثالثها: أنّ الكلام الفصيح والشعر الفصيح، إنّما يتّفق في القصيدة في البيت والبيتين والباقي لايكون كذلك. وليس كذلك القرآن، لأنّه كلّه فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته.