التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦ - ١ - رأي أبيسليمان الخطابي
نظوم التأليف، مضمّنا أصحّ المعاني، من توحيد له عزّت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته، من تحليل وتحريم و حظر وإباحةٍ، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعا كلّ شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه. مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مَثُلات اللّه بمن عصى وعاند منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان، جامعا في ذلك بين الحجّة والمحتجّ له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه.
.. ومعلوم أنّ الإتيان بمثل هذه الامور، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتّسق، أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله. ثمّ صار المعاندون له يقولون مرّة: إنّه شعر، لمّا رأوه كلاما منظوما، ومرّةً سحر، إذ رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب وقرعا في النفوس، يريبهم ويحيّرهم فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف.
.. وكيفما كانت الحال ودارت القصّة، فقد حصل باعترافهم قولًا، وانقطاعهم عن معارضته فعلًا، أنّه معجز. وفي ذلك قيام الحجّة وثبوت المعجزة، والحمد للّه.[١]
*** وأضاف- قائلًا-: إعلم أنّ عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات، هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ الأشكل به، الذي إذا ابدل مكانه غيره جاء منه إمّا تبدّل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، وإمّا ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة. ذلك أنّ في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني، يحسب أكثر الناس أنّها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، غير أنّ الأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك، لأنّ لكلّ لفظة منها خاصّيّة تتميّز بها عن صاحبتها في بعض
[١] - البيان في إعجاز القرآن للخطّابي، ص ٢١- ٢٩.