التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٢ - ٩ - كلام القطب الراوندي
عاقل وظهور هذا القرآن على يده أيضا معلوم ضرورة والشك في أحدهما كالشك في الآخر.
وأمّا الذي يدّل على أنّه صلى الله عليه و آله تحدّى بالقرآن، فهو أنّ معنى قولنا أنّه تحدّى، أنّه كان يدّعي أنّ اللّه تعالى خصّه بهذا القرآن وأنبأه به، وأنّ جبرئيل عليه السلام أتاه به، وذلك معلوم ضرورة، لايمكن لأحد دفعه. وهذا غاية التحدّي، في المعنى.
وأمّا الكلام في أنّه لم يعارض فلأنّه لو عورض لوجب أن ينقل، ولو نقل لعُلِم، كما علم نفس القرآن. فلمّا لميعلم، دلّ على أنّه لم يكن.
وإنّما قلنا: أنّ المعارضة لوكانت لوجب نقلها، لأنّ الدواعي متوفّرة على نقلها، ولأنّها- حينذاك- تكون الحجّة والقرآن شبهة، لوكانت، ونقل الحجّة أولى من نقل الشبهة.
وأمّا الذي نعلم به أنّ جهة انتفاء المعارضة التعذّر لاغير، فهو أنّ كلّ فعل ارتفع عن فاعله مع توفّر دواعيه إليه، علم أنّه ارتفع للتعذّر. ولهذا قلنا أنّ هذه الجواهر والأكوان ليست بمقدورنا. وخاصّة إذا علمنا أنّ الموانع المعقولة مرتفعة كلّها. فيجب أن نقطع على أنّ ذلك من جهة التعذّر لاغيره.
وإذا علمنا أنّ العرب تُحُدّوا بالقرآن فلم يعارضوه مع شدّة حاجتهم إلى المعارضة، علمنا أنّهم لم يعارضوه للتعذّر لاغير. وإذا ثبت كون القرآن معجزا وأنّ معارضته تعذّرت لكونه خارقا للعادة، ثبت بذلك نبوّته المطلوبة.
*** ثمّ إنّ القرآن معجز، لأنّه صلى الله عليه و آله تحدّى العرب بمثله، وهم النهاية في البلاغة، وتوفّرت دواعيهم إلى الإتيان بما تحدّاهم به، ولم يكن لهم صارف عنه ولا مانع منه، ولم يأتوا به.
فعلمنا أنّهم عجزوا عن الإتيان بمثله.
وإنّما قلنا: أنّه صلى الله عليه و آله تحدّاهم به؛ لأنّ القرآن نفسه يتضمّن التحدّي كقوله تعالى: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ»،[١] معلوم أنّ العرب في زمانه وبعده كانوا يتبارون بالبلاغة ويفخرون
[١] - البقرة ٢٣: ٢.