التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٩ - ٢ - مصطفى محمود وحكاية الموسيقى الداخلة للقرآن * * *
[٢- مصطفى محمود وحكاية الموسيقى الداخلة للقرآن***]
٢- وقال الاستاذ مصطفى محمود: «لقد اكتشفت منذ الطفولة دون أن أدري، حكاية الموسيقى الداخلية الباطنة في العبارة القرآنية. وهذا سرّ من أعمق الأسرار في التركيب القرآني ... إنّه ليس بالشعر وبالنثر ولا بالكلام المسجوع ... وإنّما هو معمار خاصّ من الألفاظ صفّت بطريقة تكشف عن الموسيقى الباطنة فيها.
وفرق كبير بين الموسيقى الباطنة والموسيقى الظاهرة.
وكمثل نأخذ بيتا لشاعر مثل عمر بن أبيربيعة، اشتهر بالموسيقى في شعره ... البيت الذي ينشد فيه:
|
قال لي صاحبي ليعلم مابي |
أتحبّ القتول اخت الرباب؟ |
|
أنت تسمع وتطرب وتهتزّ على الموسيقى ... ولكن الموسيقى هنا خارجية صنعها الشاعر بتشطير الكلام في أشطار متساوية ثمّ تقفيل كلّ عبارة تقفيلًا واحدا على الباء الممدودة.
الموسيقى تصل إلى اذنك من خارج العبارة وليس من داخلها، من التقفيلات (القافية) ومن البحر والوزن.
أمّا حينما تتلو: «وَ الضُّحى. وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى ...»[١] فأنت أمام شطرة واحدة ... وهي بالتالي تخلو من التقفية والوزن والتشطير، ومع ذلك فالموسيقى تقطر من كلّ حرف فيها، من أين، وكيف؟
هذه هي الموسيقى الداخلية، والموسيقى الباطنة، سرّ من أسرار المعمار القرآني، لايشاركه فيه أيّ تركيب أدبي.
وكذلك حينما تقول: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى».[٢] وحينما تتلو كلمات زكريا لربّه: «قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا».[٣] أو كلمة اللّه لموسى: «إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى».[٤] أو كلمته تعالى
[١] - الضحى ١: ٩٣- ٢.
[٢] - طه ٥: ٢٠.
[٣] - مريم ٤: ١٩.
[٤] - طه ١٥: ٢٠.