التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٧ - ١ - أعشى بني قيس بن ثعلبة
نعم كان للشعر والشاعرية مكانة سامية عند العرب، كانوا يهتمّون بشعرائهم كما يهتمّون بقادتهم وزعمائهم في السلم وفي ميادين القتال. كان الشعراء قادة الفكر وقادة السياسة والحرب، كانوا حماة أعراضهم وحفظة آثارهم ونقلة أخبارهم. وكان شاعر القبيلة لسانها الناطق وكاتبها الرسمي (كالصحفي اليوم) في كلّ ما يتعاطونه من تبادل ثقافات وتعرّف حضارات وتدخّلات سياسية وغيرها من شؤون الحياة العامّة.
والخلاصة: كان الشاعر يومذاك دعامة الحياة العربيّة في تلك الصحراء الجرداء.
هذا ... وقد نزل القرآن مجابها بهذا النمط من الأوساط الرفيعة المقام، العالية الشأن، أصحاب حول وقوّة وبيان، فعارضهم فلم يكن منهم سوى استسلام وانقياد أو انهزام وصغار! وإليك من كبرائهم:
١- أعشى بني قيس بن ثعلبة
اسمه ميمون بن قيس بن جندل بن بكربن وائل من ربيعة.
هو أحد الأعلام من شعراء الجاهليّة وفحولهم والبعض يقدّمونه على سائرهم إذا طرب كما يتقدّم امرؤ القيس إذا غضب، والنابغة إذا رَهب، وزهير إذا رغب.[١] ويحتجّ المقدِّمون له بكثرة طواله الجياد وتصرّفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر والكلام ممّا ليس لسواه. ولم يكن يمدح قوما إلّا رفعهم ولم يَهْجُ قوما إلّا وضعهم، لأنّه من أسير الناس شعرا وأعظمهم فيه حظّا.[٢]
وهو صاحب معلّقة مطلعها:
|
ما بكاء الكبير في الأطلال |
وسؤالي وماتردّ سؤالي[٣] |
|
وله ديوان مخطوط.
[١] - الأغاني، ج ٩، ص ١٢٧.
[٢] - العمدة، ج ٢، ص ١٨١.
[٣] - الأطلال: جمع طلل- بفتحتين- بمعنى الموضع المرتفع والشاخص من الآثار.