التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١ - ١ - رأي أبيسليمان الخطابي
البشر الإتيان بمثله، لأنّ علمهم لايحيط بجيمع أسماء اللغة وأوضاعها. ولا تدرك أفهامهم جميع معانى الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جمع النظوم التي بها ائتلافها وارتباطها بعضها ببعض.
وإنّما صار القرآن معجزا، لأنّه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمّنا أصحّ المعاني. ومعلوم أنّ الإتيان بمثل هذه الأُمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتّسق، أمر تعجز عنه قوى البشر.
وعمود البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات، هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام، موضعه الأخصّ الأشكل به. ومن هنا كاع القوم وجبنوا عن معارضة القرآن، لما قد كان يؤودهم ويتصعّدهم منه.
ويفنّد الخطّابي بعض ما أورده المعترضون من شُبَه ضدّ أُسلوب القرآن.
ومن الطريف في رسالة الخطّابي ما أورده من تحليل بعض النصوص تحليلًا فنّيّا جميلًا، يكشف فيه عن ذوق وبصر بمواطن الجمال في الكلام.
وقد أثبت في آخر رسالته وجها آخر للإعجاز ذهب عنه الناس- كما يقول- وذلك صنيع القرآن بالقلوب، وتأثيره في النفوس. ويلاحظ أنّ هذه الفكرة هي التي دار حولها بحث الشيخ عبدالقاهر الجرجاني في أسرار البلاغة، إذ اعتبر مصدر البلاغة في الكلام تأثيره في النفوس.
والرسالة قيّمة، فريدة في بابها، ولعلّه لم يعهد مثلها فيما غبر وحضر، ومن ثَمَّ اخترناها أُولى رسالة عالجت الموضوع بشكله الفنّي، وللّه درّ مؤلّفها.
واستمع الآن إلى ما يقوله هو:
يقول: قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما وحديثا، وذهبوا فيه كلّ مذهب من القول وما وجدناهم بعد صدروا عن ريٍّ، وذلك لتعذّر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيّته. فأمّا أن يكون قد نقبت في النفوس نقبة[١] بكونه
[١] - أي أُلقيت في النفوس إلقاء. وهو قول قريب من القول بالصرفة، ومن ثمّ رفضه.