التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣١ - ١ - مسيلمة الكذاب
وما صنع شيئا إلّا أنّه كان يعمد إلى آي القرآن فيسرق أكثر ألفاظها ويبدّل بعضا، كقوله «إنّا أعطيناك الجماهر فصلّ لربّك وجاهر». أو يجيء على موازين الكلمات القرآنية بألفاظ سوقيّة ومعان سوقيّة، كقوله: «والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا».
وهكذا لم يستطع وهو عربيّ قحّ أن يحتفظ باسلوب نفسه، بل نزل إلى حدّ الإسفاف، وأتى العبث الذي يأتيه الصبيان في مداعبتهم وتفكّههم بقلب الأشعار والأغاني عن وجهها.
ولايخفى أنّ هذا كلّه ليس من المعارضة في شيء، بل هو المحاكاة والإفساد. وما مثله إلّا كمثل من يستبدل بالإنسان تمثالًا لاروح فيه، وهو على ذلك تمثال ليس فيه شيء من جمال الفن.[١]
*** قلت: وبذلك يتبيّن فساد ما زعمه بعض أهل الخرف، من أنّه لو كان ما أتى به باطلًا، لوجب على اللّه إرغامه، كما قال تعالى: «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ».[٢] كما زعمه بعض البابيّة في سفاسفهم.
إذ لاتعدّ أمثال هذه الخزعبلات تقوّلا على اللّه، مالايتناسب مع كلامه تعالى لافي لفظه ولافي اسلوبه ولافي شيء من معانيه. إنّما هي ترّهات تشبه أطيط بعير أو نهيق حمار.
قال ابن كثير: وأمّا مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر علم أمره لا محالة بأقواله الركيكة التي ليست بفصيحة، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة، وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة.
وكم من فرق بين قوله تعالى: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ ...»[٣] وبين قول مسيلمة: يا ضفدع بنت ضفدعين ... وقوله: لقد أنعم اللّه على الحبلى، إذ أخرج
[١] - النبأ العظيم، ص ٧٤، الهامش.
[٢] - الحاقة ٤٤: ٦٩- ٤٧.
[٣] - البقرة ٢٥٥: ٢.