التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٤ - ٣ - إنما يعرف ذا الفضل من العلم ذووه
القرآن الكريم، فكان هناك بليغ وأبلغ وفصيح وأفصح، حسب تفاوت المقامات واختلاف المناسبات. وقد جعل السكّاكي حدّ الإعجاز من بلاغته طرفها الأعلى وما يقرب منه، فلا تستوي مرتبة البلاغة في الآيات، وإن كان الجميع بالغا حدّ الإعجاز.
٣- إنّما يعرف ذا الفضل من العلم ذووه
ليست معجزة نبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله بدعا من معاجز سائر الأنبياء عليهم السلام إذ كان نبهاء الأُمم وأصحاب الاختصاص هم الذين كانو يلمسون واقع الإعجاز. وامتياز المعجز عن الممكن- فيما يقدّمه الأنبياء- إنّما يعرفه أفذاذ الناس. كانت سحرة فرعون هم الذين لمسوا الحقّ في العصا واليد البيضاء فآمنوا به وتبعهم الآخرون وهكذا. فكان سبيل القرآن- وهو أرقّ المعاجز وأرقاها- سبيل سائر المعاجز يعرفه ذوو الاختصاص من أهل الفنّ، والأذكياء من العلماء، ومن ثمّ فإنّهم هم المراجع في وضح الحقّ ودحض الأباطيل «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ».[١]
|
ما الفضل إلّا لأهل العلم أنّهم |
على الهدى لمن استهدى أدلاء |
|
ومن ثمّ كانت شهادات أفذاذ العرب الأقحاح، هو القول الفصل، بشأن القرآن الكريم وأنّها ميزة خارقة فاق بها سائر الكلام.
تلك شهادة طاغية العرب وعظيمها الوليد بنالمغيرة: «يا عجبا لما يقول ابن أبيكبشة، فواللّه ما هو بشعر ولا بسحر ... وإنّ قوله لمن كلام اللّه ...».[٢]
وأيضا قوله: «واللّه لقد سمعت من محمّد آنفا كلاما، ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ. واللّه إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة ... وإنّه يعلو وما يعلى. وإنّه ليحطّم ما تحته ...».[٣]
وشهادات فصحاء العرب وسادات قريش من هذا القبيل كثيرة، كلّها تنمّ عن واقعيّة فخيمة لمسها اولئك الخواصّ، فسار من ورائهم العوامّ.
[١] - النحل ٤٣: ١٦.
[٢] - جامع البيان، ج ٢٩، ص ٩٨.
[٣] - مستدرك الحاكم، ج ٢، ص ٥٠٧.