التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٧ - ٥ - محمد فريد وجدي ونظرته في التأثير الروحي للقرآن * * *
أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ».[١] وسنذكر تفاصيلها في مجاله الآتي إن شاء اللّه.
*** [٥- محمد فريد وجدي ونظرته في التأثير الروحي للقرآن***]
٥- وللأُستاذ محمد فريد وجدي كلام في وجه إعجاز القرآن، يشبه بعض الشيء من كلام الرافعي فيما نقلناه آنفا «فإنّ هذا القرآن هو ضمير الحياة، وهو من اللغة كالروح الإلهية التي تستقرّ في مواهب الإنسان فتضمن لآثاره الخلود ...»[٢] فقد أخذ الأُستاذ وجدي هذا المعنى وشرحه شرحا، قال:
حصر المتكلّمون في إعجاز القرآن كلّ عنايتهم في بيان ذلك الإعجاز من جهة بلاغته، وإنّنا وإن كنّا نعتقد أنّ القرآن قد بلغ الغاية من هذه الوجهة، إلّا أنّنا نرى أنّها ليست هي الناحية الوحيدة لإعجازه، بل ولا هي أكثر نواحي إعجازه سلطانا على النفس، فإنّ للبلاغة على الشعور الإنساني تسلّطا محدودا لايتعدّى حدّ الإعجاب بالكلام والإقبال عليه، ثمّ يأخذ هذا الإعجاب والإقبال في الضعف شيئا فشيئا بتكرار سماعه حتّى تستأنس به النفس فلا يعود يحدث فيها ما كان يحدثه في مبدأ توارده عليها. وليس هذا شأن القرآن، فإنّه قد ثبت أنّ تكرار تلاوته تزيده تأثيرا. ولكنّه معجز لتسلّطه على النفس والمدارك، فوجب على الناظر في ذلك أن يبحث عن وجه إعجازه في مجال آخر يكفي لتعليل ذلك السلطان البعيد المدى الذي كان ولا يزال للقرآن على عقول الآخذين به!
العلّة في نظرنا واضحة لاتحتاج لكثير تأمّل، وهي أنّ القرآن روح من أمر اللّه، «وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا»،[٣] فهو يؤثّر بهذا الاعتبار تأثير الروح في الأجساد فيحرّكها ويتسلّط على أهوائها. وأمّا تأثير الكلام في الشعور فلا يتعدّى سلطانه حدّ إطرابها والحصول على إعجابها.
فقوله تعالى: «وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا» يكفي وحده في إرشادنا إلى جهة
[١] - هود ١: ١١. راجع: إعجاز القرآن للرافعي، ص ٢٠٩- ٢٩٩.
[٢] - إعجاز القرآن للرافعي، ص ٢٠٩.
[٣] - الشورى ٥٢: ٤٢.