التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٨ - حقيقة مذهب الصرف
حقيقة مذهب الصرف
الصرف: مصدر «صرفه» بمعنى ردّه، والأكثر استعماله في ردّ العزيمة، قال تعالى:
«سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ».[١]
قال السيد شبّر: أي عن إبطال دلائلي. و معناه- كما ذكره الطبرسي في المجمع-:
سأفسخ عزائمهم على إبطال حججي بالقدح فيها و إمكان تكذيبها، و ذلك بوفرة الدلائل الواضحة والتأييد الكثير، بما لايدع مجالا لتشكيك المعاندين ولا ارتياب المرتابين. كما يقال فلان أَخْرَسَ أعداءه عن إمكان ذمّه والطعن فيه، بما تحلّى من أفعاله الحميدة وأخلاقه الكريمة ...
ومنه قوله تعالى- بشأن المنافقين-: «ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ».[٢] وهذا دعاء عليهم بصرف قلوبهم عن إرادة الخير، لكونهم قوما حاولوا التعمية على أنفسهم فضلًا عن الآخرين ...
*** وعلى ذلك فقد اختلفت الأنظار في تفسير مذهب الصرف على ما أراده أصحابه، قال الأمير يحيى بنحمزة العلوي الزيدي (ت ٧٤٩): واعلم أنّ قول أهل الصرفة يمكن أن تكون له تفسيرات ثلاثة لما فيه من الإجمال وكثرة الاحتمال:
التفسير الأوّل: أن يريدوا بالصرفة أنّ اللّه تعالى سلب دواعيهم إلى المعارضة مع أنّ أسباب توفّر الدواعي في حقّهم حاصلة من التقريع بالعجز، والاستنزال عن المراتب العالية والتكليف بالانقياد والخضوع، ومخالفة الأهواء.
التفسير الثاني: أن يريدوا بالصرفة أنّ اللّه تعالى سلبهم العلوم التي لابدّ منها في الإتيان بما يشاكل القرآن ويقاربه.
ثمّ إنّ سلب العلوم يمكن تنزيله على وجهين، أحدهما أن يقال: إنّ تلك العلوم كانت حاصلة لهم على جهة الاستمرار، لكن اللّه تعالى أزالها عن أفئدتهم ومحاها عنهم.
[١] - الأعراف ١٤٦: ٧.
[٢] - التوبة ١٢٧: ٩.