التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٦ - مذهب الشريف المرتضى
وممّا يبيّن أنّ التحدّي وقع بالنظم- مضافا إلى الفصاحة- أنّا قد بيّنا مقارنة كثير من القرآن لأفصح كلام العرب في الفصاحة. ولهذا خفي الفرق علينا من ذلك، وإن كان غير خافٍ علينا الفرق فيما ليس بينهما هذا التفاوت الشديد. فلولا أنّ النظم معتبر لعارضوا بفصيح شعرهم وبليغ كلامهم.
فأمّا الذي يدلّ على أنّهم لولا الصرف لعارضوا أنّا قد بيّنا في فصاحة كلامهم ما فيه كفاية، والنظم لايصحّ فيه التزايد والتفاضل، ولهذا يشترك الشاعران في نظم واحد لايزيد أحدهما فيه على صاحبه وإن زادت فصاحته على فصاحة صاحبه.
وإذا لم يدخل في النظم تفاضل فلم يبق إلّا أن يكون الفضل في السبق إليه. وهذا يقتضي أن يكون السابق ابتداءً إلى نظم الشعر قد أتى بمعجز، وأن يكون كلّ من سبق إلى عروض من أعاريضه ووزن من أوزانه كذلك ... ومعلوم خلافه.
وليس يجوز أن يتعذّر نظم مخصوص بمجرى العادة على من يتمكّن من نظوم غيره، ولايحتاج في ذلك إلى زيادة علوم، كما قلنا في الفصاحة. ولهذا كان كلّ من يقدر من الشعراء على أن يقول في الوزن الذي هو الطويل قدر على البسيط وغيره ولو لم يكن إلّا على الاحتذاء وإن خلا كلامه من فصاحة.
وهذا الكلام قد فرغناه واستوفيناه في كتابنا في جهة إعجاز القرآن.[١]
وهذا الذي ذكره هنا تلخيص ممّا جاء في الرسالة، والتي يبدو منها أنّها إجابة على سؤال المعترض: «... إن كانوا- أي العرب ممّن حاول المعارضة- سلبوا العلوم، فليس يخلو إمّا أن يكونوا سُلبوها عند ظهور القرآن والتحدّي به، أو يكونوا لم يزالوا فاقدين لها.
[١] - يريد به رسالته التي كتبها في الصرفة( راجع الذخيرة في علم الكلام: تحقيق السيد أحمد الحسيني، ص ٣٨٠- ٣٨٢).
وقد تعرّض فيها للإجابة على عدّة مسائل لها صلة بمسألة الصرفة في الإعجاز. وله أيضا في أجوبة مسائله الرسّية كلام حول مسألة الصرفة.( راجع المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى، ص ٣٢٣- ٣٢٦، المسألة الثالثة من المسائل الرسّية الاولى).
أمّا رسالة الصرفة فقد عُثر عليها وطُبعت ونشرت بتحقيق الاستاذ محمدرضا الأنصاري وإشراف مجمع البحوث الإسلاميّة التابع لآستانة القدس الرضوي بمشهد الرضا عليه السلام عام ١٤٢٤.