التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٨ - ١ - سيد قطب ونظرته عن الإيقاع الموسيقي في القرآن * * *
لقصر الفواصل وطولها، كما هي تابعة لانسجام الحروف في الكلمة المفردة، ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة ... فإنّنا نؤثر أن نتحدّث عن هذه الظواهر كلّها مجتمعة.
جاء في القرآن الكريم «وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ».[١]
وجاء فيه حكاية عن كفّار العرب: «بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ».[٢]
وصدق القرآن الكريم، فليس هذا النسق شعرا. ولكن العرب كذلك لم يكونوا مجانين ولا جاهلين بخصائص الشعر، يوم قالوا عن هذا النسق العالي: إنّه شعر!
لقد راع خيالهم بما فيه من تصوير بارع، وسحر وجدانهم بما فيه من منطق ساحر، وأخذ أسماعهم بما فيه من إيقاع جميل. وتلك خصائص الشعر الأساسية، إذا نحن أغفلنا القافية والتفاعيل.
على أنّ النسق القرآني قد جمع بين مزايا النثر والشعر جميعا. فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحّدة والتفعيلات التامّة؛ فنال بذلك حرّية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامّة. وأخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر، الموسيقى الداخلية، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل؛ والتقفية التي تغني عن القوافي؛ وضمّ ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا، فشأن النثر والنظم جميعا.[٣]
وحيثما تلا الإنسان القرآن أحسّ بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه؛ يبرز بروزا واضحا في السور القصار، والفواصل السريعة، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامّة؛ ويتوارى قليلًا أو كثيرا في السور الطوال، ولكنّه- على كلّ حال- ملحوظ دائما في بناء النظم القرآنى.[٤]
وسنأتي على أمثلة ضربها لذلك في فصل قادم[٥] إن شاء اللّه.
[١] - يس ٦٩: ٣٦.
[٢] - الأنبياء ٥: ٢١.
[٣] - يقول الدكتور طه حسين: إنّ القرآن ليس شعرا وليس نثرا. إنّما هو قرآن! ولسنا في حاجة إلى هذا اللعب بالعبارات، فالقرآن نثر متى احتكمنا للاصطلاحات العربيّة كما ينبغي. ولكنّه نوع ممتاز مبدع من النثر الفنّي الجميل المتفرّد.
[٤] - التصوير الفنّي في القرآن، ص ٧٩- ٨٠.
[٥] - عند التعرّض لمزايا النظم القائم في القرآن وخصائصه العجيبة.