التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٠ - ١ - ليس في كلام العرب مايضاهي القرآن
القالب الجميل، هي: خلابة رُوحه، ونسمة رَوْحه. فخامة معنى في أناقة تعبير. وهما مجتمعين وليدان توأمين، الأمر الذي يعزّ وجوده، بل ينعدم في كلام غيره، ولاسيّما مع هذا الإطناب في الكلام والتنوّع في المرام، ميزة خُصّ بها القرآن الكريم.
وبعد ... فإليك بعض النقاش مع دلائل القوم في ظاهر المقال:
١- ليس في كلام العرب مايضاهي القرآن
فإذ كانت روعة القرآن منبثقةً من تلاحمٍ في جمال لفظه مع جلال معناه، ومن بديع صورته مع كبرياء محتواه، فأين- ياترى- يوجد له مثيل في مثل هذه الرفعة وذلك الشموخ؟! نعم سوى شؤون كانت مبتذلة، ومعان كانت هابطة وساقطة إلى حدّ بعيد، كانوا يتداولونها! ولَمُقارَنَةٌ عبرى بين آيات من الذكر الحكيم، وأروع مقطعات العرب لتكفي شاهدا على ذلك البون الشاسع!
جاء القرآن بسبك غريب على العرب، و عجيب على الناس أجمعين، لا هو شعر و لا هو نثر كنثرهم، نثر في خاصيّة الشعر، لا هدر سجع، و لا هذر كهانة، حلو رشيق، وخلوب رفيع. إنّ له لحلاوة، و إنّ عليه لطلاوة، و إنّه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، إنّه يعلو و ما يعلى.
وإنّه ليحطم ما تحته! كلام قاله عظيم العرب و خلاصتها الفذّ الفريد الوليد!.[١]
كانوا كلّما حاولوا مضاهاته، افتضح بهم الأمر، و فشلوا في نهاية المطاف، و هكذا
[١] - نعم نسب إلى الجعد بندرهم( مؤدّب مروان بنمحمد الملقّب بالحمار، آخر خلفاء بنياميّة) القول بأنّ فصاحة القرآن غير معجزة، وأنّ الناس يقدرون على مثلها، وعلى أحسن منها ...
قيل: هو أوّل من صرّح بذلك، وتجرّأ عليه.
قال الأُستاذ الرافعي: ولم يقل بذلك أحد قبله. إعجاز القرآن، ص ١٤٤.
وله مقالات أُخرى أيضا أنكروها عليه، فآل أمره إلى القتل صبرا. ذبحه- كما يذبح الكبش- خالد القسري أمير العراق من قبل هشام بنعبدالملك بأمره.
ذكر ذلك ابنالأثير في حوادث( سنة ١٢٥)، ج ٥، ص ٢٦٣. وراجع: ص ٤٢٩ أيضا.
وقد جعل الأُستاذ عرفة ذلك دليلًا على قوله بالصرفة. فهو أوّل من ذهب هذا المذهب ... وهو وهم ... لأنّه- على فرض صحّهالنسبة- إنّما حاولبذلك إنكار أصل الإعجاز .. كما وهم في علي بنعيسى الرماني أيضا قوله بالصرفة ... في حين أنّه جعله أحد الوجوه للإعجاز ... راجع: النكت في إعجاز القرآن، ص ١١٠.( قضية الإعجاز القرآني، ص ١٤٨- ١٤٩).