التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٥ - النضربن الحارث
و لقد صدق فيهم وعيدُ اللّه. فقد انقطع ذكرهم وانطوى. بينما امتدّ ذكر محمد واعتلا! إنّ الإيمان والحقّ والخير، لايمكن أن يكون أبتر، فهو ممتدّ الفروع عميق الجذور. وإنّما الكفر والباطل والشرّ هو الأبتر مهما ترعرع وزها وتجبّر.
إنّ مقاييس اللّه غير مقاييس البشر. ولكن البشر ينخدعون ويغترّون فيحسبون مقاييسهم هي التي تقرّر حقائق الأُمور. وأمامنا هذا المثل الخالد. وصدق اللّه وكذب الكائدون الماكرون!
النضربن الحارث
وتقدّم بعض الحديث عن مواقف النضربن الحارث، كان من عتاة قريش ومن شياطينهم، كان قد تعلّم بعض أحاديث ملوك فارس (أساطير رستم واسفنديار) وكان يقصّها على جهلاء العرب ليستحوذ عليهم، ويلهيهمعن حديث الإسلام وذكريات القرآن.
كان إذا جلس رسول اللّه صلى الله عليه و آله مجلسا يدعو فيه إلى اللّه ويتلو فيه القرآن، ويحذّر قريشا ممّا أصاب الأُمم الخالية، خلفه النضر في مجلسه إذا قام عنه، فحدّثهم عن رستم واسفنديار وملوك فارس، ثمّ يقول: واللّه ما محمد بأحسن حديثا منّي، وما أحاديثه إلّا أساطير الأوّلين اكتتبها كما اكتتبتها. قيل: وبذلك جاءت الإشارة في الآية الكريمة «وَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا».[١]
قيل: ونزلت فيه: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ. وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ. وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ. أَنْ كانَ ذا مالٍ وَ بَنِينَ. إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ. إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ. وَ لا يَسْتَثْنُونَ. فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَ هُمْ نائِمُونَ. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ».[٢]
[١] - الفرقان ٥: ٢٥.
[٢] - القلم ٧: ٦٨- ٢٠.